كشفت وثيقة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، نشرتها صحيفة "هآرتس"، عن توقيع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، في أيار/مايو الماضي، قراراً يقضي بمصادرة أكثر من سبعة دونمات من أراضي مدينة جنين، لإقامة معسكر دائم للجيش يشرف على مخيم جنين الواقع شمالي الضفة الغربية.
وتعدّ هذه الخطوة الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، إذ يقيم الجيش الإسرائيلي بموجبها معسكراً دائماً في المناطق المصنفة (أ)، الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الكاملة للسلطة الفلسطينية.
الخلفية التاريخية لتقسيمات أوسلو
وقسم اتفاق أوسلو الضفة الغربية إلى ثلاثة أجزاء رئيسية هي: "المنطقة أ" التي تشكل 12 في المئة من مساحة الضفة الغربية وتضم المدن الرئيسية وتخضع للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية، و"المنطقة ب" التي تشكل 18 في المئة وتخضع للسيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، و"المنطقة ج" وتشكل 60 في المئة من مساحة الضفة وتخضع للسيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية الكاملة.
وفي رد قدمه الجيش الإسرائيلي إلى محكمة العدل العليا على اعتراض رفعه أصحاب الأرض المصادرة، قال جيش الاحتلال إن "المعسكر سيكون بديلاً لبقاء القوات الإسرائيلية في منازل المواطنين، ولإعادة نشر القوات في المنطقة برؤية بعيدة المدى".
أبعاد خطة الاستيطان
في المقابل، يرى الفلسطينيون في إقامة هذا المعسكر أهدافاً سياسية بعيدة المدى تتمثل في إلغاء نصوص من اتفاق أوسلو، ومنها قطع التواصل الجغرافي والديمغرافي الفلسطيني، وتعزيز الاستيطان، وتأمين عودة المستوطنين إلى المستوطنات التي كانت تحيط بمدينة جنين، والتي أخلاها رئيس الوزراء اليميني الأسبق أرييل شارون عام 2005، لصعوبة توفير الأمن لها بسبب تواجدها في محيط فلسطيني شديد الاكتظاظ.
وكان الكنيست الإسرائيلية قد أقر في آذار/مارس عام 2023، قبل اندلاع الحرب على غزة، قانوناً يسمح بإعادة بناء المستوطنات الأربع التي أخليت سابقاً ضمن خطة شارون المعروفة باسم "فك الارتباط"، وهي: جانيم، وغاديم، وسانور، وحومش.
وأقام المستوطنون، مؤخراً، بؤراً استيطانية في مواقع المستوطنات الأربع تمهيداً لتنفيذ قرار إعادة بنائها، في حين نشر الجيش لواءً من قواته يحمل اسم "لواء منشه" في محيط المنطقة لتوفير الأمن للمستوطنين.
استهداف مخيم جنين والمخيمات الشمالية
واختار جيش الاحتلال إقامة المعسكر في محيط مدينة جنين على نحو يشرف فيه على مخيم جنين، بعد أن قام بهدم أجزاء واسعة من المخيم وتهجير سكانه؛ وهو ما ذكرت صحيفة "هآرتس"، التي كشفت الوثيقة، أن الهدف من إقامته في هذا الموقع هو محاربة نشوء أية ألوية فلسطينية مسلحة في المخيم تهدد المستوطنين الذين عادوا لإقامة المستوطنات الأربع.
وقامت إسرائيل، خلال الحرب على غزة، باحتلال ثلاثة مخيمات في شمال الضفة الغربية وتهجير سكانها وتدمير أجزاء واسعة منها، وهي مخيمات: جنين، وطولكرم، ونور شمس، بجانب فتح شوارع واسعة فيها لتسهيل حركة المركبات العسكرية.
وأقرّ وزير الدفاع يسرائيل كاتس، في تصريحات صحافية، بأن جيشه قام بترحيل حوالي 40 ألف مواطن من سكان المخيمات الثلاثة، وأنه لن يسمح لهم بالعودة إلى هذه المخيمات، مشيراً إلى أن الجيش أقام نقاطاً عسكرية دائمة له في هذه المخيمات لتحقيق هذا الغرض.
استراتيجية الضم
وفي تصريحات صحافية، قال مدير دائرة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود، إن "إخلاء المستوطنات الأربع خلق تواصلاً جغرافياً ديمغرافياً فلسطينياً، وعندما جاءت هذه الحكومة التي يقوم برنامجها على الاستيطان والضم ومنع إقامة دولة فلسطينية، عملت على إقرار قانون خاص لإعادة بناء المستوطنات المذكورة".
وأوضح داود أن الحكومة قامت بسلسلة من الخطوات والقرارات لتعزيز الضم ومنع إقامة الدولة الفلسطينية، منها تأسيس هيئة خاصة تعمل بمثابة وزارة سيادية لتكون مسؤولة عن الآثار في كامل الضفة الغربية، بما يتيح لها السيطرة على الآثار الواقعة في مناطق السلطة الفلسطينية.
كما شملت الخطوات تحويل صلاحيات التخطيط والبناء في المحمية الطبيعية الواقعة شرقي محافظة بيت لحم، والتي تساوي ثلاثة في المئة من مساحة الضفة الغربية، من السلطة الفلسطينية إلى السلطات الإسرائيلية؛ حيث أقامت السلطات في العامين الأخيرين 20 بؤرة استيطانية في هذه المحمية التي تبلغ مساحتها 167 كيلومتراً مربعاً.
وكانت حكومة الاحتلال الإسرائيلية قد أقرت، العام الماضي، مجموعة من الإجراءات والقوانين الجديدة التي توسّع وتسرّع عمليات الاستيطان والضم، منها قانون ينص على فتح سجلات الأراضي الفلسطينية أمام المستوطنين، وإزالة أي عوائق قانونية أمام حرية التملك الفردي لهم، وإعادة فرض السيادة الإسرائيلية في قلب المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقات أوسلو.
وجاءت هذه القرارات تتويجاً لسلسلة من قرارات تكثيف وتوسيع الاستيطان وتسهيل سيطرة المستوطنين على المناطق الريفية والرعوية وحصار الفلسطينيين داخل تجمعات سكانية مغلقة بحواجز عسكرية زاد عددها على الألف حاجز.
كما أقرت الحكومة أيضاً بناء 103 مستوطنات جديدة، ووسعت إقامة البؤر الاستيطانية التي زاد عددها على 360 بؤرة قابلة للتحول إلى مستوطنات كبيرة، مما يشكل عائقاً مستقبلياً أمام إقامة أي كيان فلسطيني مستقل ومتواصل جغرافياً.




