زلزال أوروبا.. انحسار المحور الروسي وأزمة "البرزخ التابع"

سعود المولىالسبت 2026/06/13
فيكتور أوربان Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

شهدت منطقة شرق ووسط أوروبا خلال عامي 2025 و2026 تحولات هيكلية كبرى تعيد رسم موازين القوى الجيوسياسية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا من جهة، وتكشف من جهة أخرى عن عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها المجتمعات المحيطية جراء عقود من التبعية. يتبدى هذا المشهد المركب عبر مسارين أساسيين: السقوط التاريخي لنظام فيكتور أوربان في المجر وما ترتب عليه من إعادة تموضع إستراتيجي دولي، وتجذر حالة "البرزخ التابع" (Subordinate Interregnum) التي تفسر الدوامة السياسية والتقشفية التي تعصف برومانيا. 

 

أولاً: تصدع جدار القومية الشعبوية وأثر سقوط أوربان الجيوسياسي على موازين القوى

في 12 نيسان/ أبريل 2026، انهار رسمياً نظام فيكتور أوربان الذي أدار المجر طوال ستة عشر عاماً بيد حديدية. ولم تنجح كافة آليات التوجيه الإعلامي، والتشهير، والدعاية الموجهة في إنقاذ نخب حزبه "فيدس" (Fidesz) المتقادمة من حكم الصناديق؛ إذ حقق تحالف المعارضة بقيادة بيتر ماغيار وحزبه "تيسا"  (Tisza) انتصاراً حاسماً بنسبة 55% من الأصوات مقابل 37% لأوربان. لقد نزل الشباب الهنغاري إلى شوارع بودابست للاحتفال بنهاية "gerontocracy" (حكم الشيوخ المتقادم)، مدفوعين بـ"حركة مكافحة الفساد" الشاملة التي تشكلت رداً على kleptocracy (حكم اللصوص) الذي قضم استقلالية المؤسسات العامة، ونظم عمليات التغطية على قضايا الفساد والبيدوفيليا في دور الرعاية الحكومية، وحوّل الأصول العامة من فنادق ومحطات طاقة إلى ملكيات خاصة بمحاسيب النظام.

 

أ‌- الأبعاد الجيوسياسية الدولية لسقوط أوربان: هذا السقوط لا يمثل مجرد تغيير حكومي محلي، بل هو ضربة قاصمة لخطاب القومية الشعبوية والتمزيق السياسي على مستوى العالم. 

•      روسيا كأكبر الخاسرين: تُعد موسكو الخاسر الأكبر إستراتيجياً؛ إذ فقد الكرملين صوته الأكثر فاعلية وقدرة على المناورة داخل الاتحاد الأوروبي، وهو الصوت الذي طالما عرقل حزم المساعدات المالية والعسكرية الحيوية الموجهة لأوكرانيا. بانهيار هذا الفيتو الهنغاري، استعاد الاتحاد الأوروبي شريكاً منسجماً مع توجهاته، مما يمهد لتمرير الدعم الأوروبي لكييف بسلاسة ودون ابتزاز سياسي.

•      المعسكر اليميني الدولي والمحور الغربي: خسرت إدارة ترامب في الولايات المتحدة حليفاً أوروبياً بارزاً كانت قد حاولت دعمه قبل الانتخابات. كما تلقى اليمين الشعبوي المتطرف في أوروبا صفعة قوية، وتحديداً في فرنسا ممثلاً بمارين لوبن وحزبها "التجمع الوطني" وإريك زمور وحزبه "الاسترداد"، بالإضافة إلى حزب "القانون والعدالة" (PiS) في بولندا، ونايجل فاراج في بريطانيا، وجاير بولسونارو في البرازيل.

•      الموقف الصيني الحذر: تقف بكين موقف المراقب المتوجس؛ فقد ضخت الصين استثمارات هائلة وبنائية في قطاع السيارات الكهربائية داخل المجر في عهد أوربان، وتخشى اليوم أن تتأثر هذه المصالح إذا اندفع بيتر ماغيار نحو تعميق الروابط الاقتصادية والسياسية مع بروكسل على حساب الشراكات الشرقية.

 

ب‌- التناقض الاقتصادي الداخلي لحكومة ماغيار: على الرغم من الخطاب التحرري، فإن العمق الاقتصادي لبرنامج ماغيار يكشف عن تحديات بنيوية ثقيلة؛ فقد ورث نظاماً مشوهاً يُعرف بـ "نظام التعاون الوطني" (System of National Cooperation)، وهو مزيج هجين يجمع بين الاستبداد ورأسمالية المحاسيب القائمة على سحق حقوق العمال، ودفع الأجور إلى أدنى مستوياتها في الاتحاد الأوروبي، وتشريع "قانون العبودية" عام 2012 الذي يتيح فرض 400 ساعة عمل إضافية إلزامية دون تعويض فوري. وفي حين قاد هذا النموذج إلى مجتمع مشوه تفصل بين طبقاته فجوات عميقة (ارتفع مؤشر جيني لعدم المساواة إلى 38.4 عام 2025)، فإن برنامج حزب "تيسا" الجديد لا يحمل خططاً لتغيير هذا النظام البنيوي المكسور. فالإبقاء على نظام الضريبة الثابتة، ومعدلات ضريبة القيمة المضافة العالية والرجعية التي تلتهم دخلو الفقراء، والسعي الحثيث لتبني العملة الأوروبية الموحدة "اليورو"، كلها مؤشرات قد تقود المجر إلى موجة جديدة من الأرثوذكسية المالية والتقشف التي ستضع مصداقية العهد الجديد في مهب الريح أمام الطبقة العاملة المنهكة.

 

ثانياً: رومانيا وسوسيولوجيا "البرزخ التابع" كآلية لاستدامة الاستغلال شبه المحيطي

بينما تكافح المجر للخروج من عباءة أوربان، تقدم رومانيا المجاورة في أيار/مايو 2026 المختبر السوسيولوجي الأبرز لفهم حالة عدم الاستقرار الدائم في دول شرق أوروبا، وهو ما تصيغه البروفيسورة إنيكو فينتسي بمفهوم "البرزخ التابع" (Subordinate Interregnum). ففي 5 أيار/مايو 2026، أقر البرلمان الروماني بأغلبية ساحقة (281 صوتاً مقابل 4) ملتمس رقابة قضى بالإقالة الرسمية لحكومة رئيس الوزراء "إيلي بولوخان" تحت شعار: "أوقفوا خطة بولوخان لتدمير الاقتصاد".

هذا الحدث كشف عن مفارقة سياسية تمثلت في التحالف الصادم بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي (PSD) وحزب التحالف من أجل اتحاد الرومانيين (AUR) القومي المحافظ لإسقاط الحكومة، وهو تعاون أثار صدمة النخب الليبرالية التي تدعي رفضها المطلق لليمين المتطرف. غير أن تفكيك هذه الأزمة يثبت أنها ليست مجرد مناورة حزبية، بل انعكاس لـ"حالة الفوضى الاجتماعية المستدامة" التي حُكم بها على رومانيا منذ انتقالها إلى الرأسمالية المعولمة.

 

أ‌- جوهر التبعية البنيوية ووظيفة رومانيا الاقتصادية: يعني "البرزخ التابع" أن الدولة، جراء تدمير هياكلها الاشتراكية السابقة وتحولها إلى كيان "شبه محيطي"، أصبحت وظيفتها الأساسية والوحيدة هي تلبية توقعات نظام الرأسمالية العالمي كما تمليها المفوضية الأوروبية، والناتو، والبنك الدولي. ومنذ التسعينيات، تم حصر رومانيا في أدوار وظيفية محددة: 

1.     خزان العمالة الرخيصة: تصدير قوة عمل هائلة ورخيصة لخدمة أسواق الغرب الأوروبي (هجرة أكثر من 4 ملايين روماني منذ 1990). 

2.     سوق استهلاكي مفتوح: تقديم سوق استيعابي يضم 20 مليون مستهلك لتصريف فائض الإنتاج الغربي. 

3.     استنزاف الموارد الطبيعية: توفير الموارد والمواد الخام للمصنعين الغربيين لمواجهة تراجع معدلات أرباحهم في دول المركز. 

 

ب‌- السياسات الاقتصادية والتقشف العسكري لحكومة بولوخان: على مدار 10 أشهر من الحكم، نفذت حكومة بولوخان "الائتلافية المؤيدة لأوروبا" أجندة عدوانية ومجحفة بحق الفئات الضعيفة والطبقة العاملة لتخفيض العجز الحكومي، دون التفكير في فرض ضرائب تصاعدية أو ضرائب على الثروات الكبرى ورأس المال. وشملت هذه الإجراءات: 

•      رفع ضريبة المبيعات العامة من 19% إلى 21%، ودمج المعدلات المخفضة فيbracket موحد بنسبة 11%، مما أشعل أسعار الأغذية والأدوية.

•      إلغاء سقف أسعار الكهرباء ورفع الرسوم على الوقود، وتجميد الأجور الحكومية والمعاشات عند مستويات عام 2024.

•      فرض خصومات صحية على الأمهات في إجازات الأمومة والمتقاعدين، ودمج المدارس الريفية وتقليص المنح الطلابية لتوفير النفقات.

وفي المقابل، قدمت الحكومة إعفاءات ضريبية سخية للشركات التي تتجاوز إيراداتها 50 مليون يورو، وطرحت حصصاً من الشركات الإستراتيجية المملوكة للدولة في بورصة بوخارست لتوفير أوعية استثمارية للصناديق الخاصة ورجال الأعمال الأجانب. والمفارقة الأكثر فجاجة تجلت في تخصيص 49.4 مليار لي لرعاية ميزانية وزارة الدفاع لعام 2026 (بزيادة هائلة بلغت 34% عن العام السابق) وتوسيع ميزانية الاستخبارات بنسبة 13.82%. يوضح هذا بدقة كيف يجبر "البرزخ التابع" الدولة على إفقار مواطنيها واقتطاع لقمة عيشهم لتحويل الأموال نحو التسلح وعسكرة الدولة تماشياً مع سياسات "دولة المواجهة العسكرية والصد" (Buffer State) التي تفرضها إستراتيجيات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لحماية مركز النظام الرأسمالي. 

 

ت‌- موت اليسار وانتعاش التطرف اليميني: داخل هذا الانسداد البنيوي، تعمل أيديولوجيا "معاداة الشيوعية" كأداة لإغلاق الفضاء السياسي بالكامل؛ حيث يتم تجريم وشيطنة أي طرح اشتراكي أو بديل راديكالي بوصفه "نوسطالجيا شيوعية". ونظراً لأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي (PSD) تم ترويضه وضبطه ليصبح مجرد راعٍ لرأسمالية المحاسيب و"البارونات المحليين"، فقد وجدت الجماهير المسحوقة والغاضبة من وعود الرأسمالية الفاشلة ضالتها في الخطاب القومي المتطرف واليميني لحزب (AUR). يعبر هذا الواقع بوضوح عن المعضلة النيوليبرالية: حيث تؤدي اقتطاعات الرفاه (Welfare Cuts) وغياب البديل اليساري المنظم إلى جعل اليمين الفاشي والقومي الملجأ الوحيد المتاح للاحتجاج الجماهيري. 

يكشف ربط هذين المحورين عن صورة كلية متكاملة لشرق أوروبا؛ فبينما يمثل سقوط فيكتور أوربان في المجر انتصاراً جيوسياسياً جلياً لمعسكر بروكسل، كونه يسحب من يد روسيا ورقة التعطيل الإستراتيجي للمساعدات الأوكرانية ويفكك جبهة اليمين الشعبوي الدولي، فإن البنية التحتية العميقة للمنطقة لا تزال محكومة بذات التبعية الاقتصادية الرأسمالية. رومانيا، من جهتها، تثبت عبر حالة "البرزخ التابع" أن تغيير الوجوه السياسية وسقوط الحكومات المتلاحقة لا يغير من حقيقة أن هذه الدول تُدار كـ"وكالات مساعدة لرأس المال الخاص الأجنبي" وخطوط دفاع عسكرية مدفوعة الثمن من أقوات الشعوب. إن هذا التلازم البنيوي يشير إلى أن التحرر الجيوسياسي لشرق أوروبا من النفوذ الروسي لن يقود بالضرورة إلى استقرار مجتمعي داخلي، ما لم يتم كسر حلقة التبعية النيوليبرالية التي تحول المنطقة برمتها إلى مجرد أطراف تابعة تمتص أزمات المركز الغربي وعسكرته.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث