سرديتان لمفاوضات واحدة: أكسيوس ومهر في عالمين متوازيين

طهران - مجيد مراديالجمعة 2026/06/12
إيران مسيرات مؤيدة للنظام Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

توصلت إيران والولايات المتحدة إلى مسودة لمذكرة تفاهم تقربهما من عقد اتفاق جديد بشأن الملف النووي والعقوبات المفروضة على إيران. لكن ما يلوح منذ الساعات الأولى بين الطرفين هو خلاف عميق وهيكلي في سرد هذه المذكرة.

فمن جهة نشر موقع "أكسيوس" الأميركي نقلاً عن مسؤولين أميركيين ووسطاء قطريين وباكستانيين، تفاصيل اتفاق مؤقت ومحدود، بينما نشرت من جهة أخرى وكالة "مهر" الإيرانية نقلاً عن "مصدر مقرب من فريق التفاوض الإيراني" نص مسودة من 14 مادة، وصفها عملياً بأنها اتفاق دائم وشامل يحتوي على امتيازات كبيرة لطهران.

والحقيقة أن هاتين السرديتن لا يمكن جمعهما تحت خبر واحد، بل تعكسان "عالمين مختلفين في الساحة الدبلوماسية. فما هي أهم اوجه المقارنة بينهما.

 

طبيعة وقف الحرب

أول وأهم فجوة هي طبيعة وقف الحرب. يتحدث "أكسيوس" عن "تمديد لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً"، بينما تتحدث "مهر" عن "وقف دائم وفوري للحرب في جميع الجبهات". الفرق بين "تمديد الوقف" و"الوقف الدائم" هو ببساطة الفرق بين التقاط الأنفاس المؤقت والنهاية المستقرة.

أما الفارق الاستراتيجي الثاني فيتعلق باللغز النووي. ففي رواية "أكسيوس"، تم تأجيل الملف النووي إلى اتفاق ثانٍ منفصل، مع طرح تعهد إيراني لمدة عام فقط بعدم إنتاج القنبلة، وذلك تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن تقرير "مهر" يعلن بحزم أن الملف الصاروخي ودعم فصائل المقاومة "قد تم حسمهما نهائياً وإلغاءهما من جدول الأعمال"، وأن مصير المواد المخصبة فقط ورفع العقوبات بشكل كامل هو ما سيُحل خلال مفاوضات الـ60 يوماً المقبلة. وهذا يعني تراجع واشنطن عن خطيها الأحمرين التقليديين وهما الصواريخ الباليستية ومحور المقاومة، وهو ادعاء لم يؤكده تقرير "أكسيوس" ولم يشِر إليه حتى.

 

الأصول المجمدة

أما الخلاف الثالث وربما الأكثر حسماً، فيعود إلى الأصول المجمدة والعقوبات. يقول "أكسيوس" إن إعفاءً مؤقتاً لمدة 60 يوماً لبيع النفط قد تم النظر فيه بشرط "حسن نية" إيران، وأن الوصول إلى الأصول سيتم بشكل تدريجي عبر قطر. لكن "مهر" تروي أن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية سيتم تحريرها خلال نفس فترة الـ60 يوماً، نصفها حتى قبل بدء المفاوضات النهائية، وفي الخطوة التالية سيحدث تعليق كامل للعقوبات النفطية والبتروكيماوية.

 

فوارق أخرى

وإلى جانب كل هذا، تتضمن رواية "مهر" بنوداً مثل انسحاب القوات الأميركية من حول إيران، وتقديم أميركا لمشروع إعمار بقيمة 300 مليار دولار، وهي أشياء لا أثر لها في تقرير "أكسيوس".

والسؤال الآن: هل من الممكن أن تكون هاتان الوسيلتان الإعلاميتان تنقلان خبرا لوثيقتين مختلفتين؟ إحداهما المقترح الايراني المبدئي والثانية هي النص المتفق عليه. الاحتمال الآخر هو أن كلاً من الطرفين يروي جزءاً من النص الذي يصب في مصلحة رأيه العام الداخلي. لقد أظهرت التجارب أنه أحياناً يتفق الطرفان خلف الكواليس على إطار عام، لكنهما يقدمان سرديات مختلفة تماماً عن مضمونه لإدارة توقعات الجمهور.

وإلى أن يتم نشر النص الرسمي المعتمد لمذكرة التفاهم، سوف تستمر حرب السرديات هذه. من المرجح أن رواية وكالة "مهر" الإيرانية تعكس سقف المطالب الإيرانية، بينما تعكس رواية "أكسيوس" الحد الأدنى المقبول لأميركا.

 

صعوبات التسويق للتفاهم

ولدى كل من إيران والولايات المتحدة مشاكل كبيرة في الاعتراف بهذه المذكرة وتسويقها لدى الرأي العام. المشكلة الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب هي أن الاتفاق النهائي المبني على هذه المذكرة يجب كما قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الجمعة الماضية، أن يحظى بموافقة الكونغرس وأن يراعي الخطوط الحمراء لترامب التي أكد عليها هو نفسه مراراً وتكراراً. فترامب بالتأكيد يقارن أي اتفاق مع إيران باتفاق باراك أوباما النووي عام 2015، ويؤكد على ضرورة الحصول على اتفاق افضل مما حصل عليه أوباما.

أما في إيران، فالمحافظون الذين حشدوا الناس لاكثر من مئة ليلة في مسيرات، وتحدثوا مراراً عن فكرة فرض نظام قانوني جديد على عبور السفن في مضيق هرمز وتحويله إلى "حصالة دخل أبدي" من الرسوم لإيران وعُمان، وقدموا اليورانيوم المخصب كعامل رادع في وجه عدوان العدو، فلن يكون من السهل عليهم إقناع الجمهور هناك بالاتفاق المزعوم.

المشكلة الكبرى للجمهورية الإسلامية هي أنها قادت الناس في مسيرات ليلية منذ اليوم الأول للحرب، لكي تمنع تكوين احتجاجات محتملة للمعارضين من ناحية، وتُحدث تماسكاً وتضامناً داخلياً، وتحول الشارع إلى ثغور لدعم العسكريين في جبهات الحرب من ناحية أخرى. لكن عملياً، وبجر الدبلوماسية إلى الشارع، وجد الدبلوماسيون الإيرانيون أنفسهم عرضة لهجوم واحتجاج القوى الشعبوية في الشارع التي لا تتحمل أي تنازل أمام العدو على طاولة المفاوضات، وليس لديها عقل إستراتيجي بطبيعة الحال.

مكبرات الصوت التي هتفت في المسيرات الليلية خلال الأشهر الثلاث التي تلت الحرب بشعارات المقاومة القصوى وإلحاق الهزيمة النهائية بأميركا وإسرائيل، لن تتحمل تنازلات الفريق الإيراني المفاوض. لذلك فإن الدبلوماسية الإيرانية مضطرة لإقناع جمهورها الداعم بالترويج لموضوع تحرير الأموال المجمدة، وكسر الحصار البحري والاقتصادي وشمول لبنان وقف في إطلاق النار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث