أوردت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه تنامياً لافتاً لمشاعر الإحباط والسخط داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن نتائج وجدوى المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران، وسط ضغوط سياسية معقدة يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لكبح العمليات العسكرية، وعزلة دولية متزايدة لتل أبيب بسبب الحرب المستمرة على قطاع غزة.
وأشارت الصحيفة، في تقرير، إلى أن نتنياهو خاطب الإسرائيليين مساء الاثنين الماضي بعد ساعات من تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف أحدث جولة من الهجمات الإسرائيلية على إيران، مؤكداً أن بلاده "تسير على الطريق الصحيح نحو النصر".
وقال نتنياهو في خطابه: "إيران وحزب الله أضعف من أي وقت مضى، ونحن أقوى من أي وقت مضى، لكن معركتنا ضدهم لم تنته بعد، في حال ارتكب النظام في إيران خطأ استئناف هجماته علينا، فسوف نرد بقوة ساحقة".
فجوة النصر الكامل وخيبة أمل الشارع
ومع ذلك، ترى الصحيفة أن هذه الرسالة لم تعد تلقى القبول ذاته لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين الذين يشعرون بأن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة.
ويؤكد استطلاع رأي أجراه "مختبر أغام" التابع للجامعة العبرية في القدس عقب وقف إطلاق النار، أن أكثر المشاعر انتشاراً بين الإسرائيليين كانت "اليأس" و"الحيرة" و"الغضب".
ونقل التقرير عن الباحث نمرود نير قوله: "لم نرصد هذا القدر من اليأس والتشاؤم منذ السابع من أكتوبر تقريباً؛ فمستوى خيبة الأمل بلغ حداً كارثياً".
وأضافت الصحيفة أن تل أبيب، رغم نجاحها في توجيه ضربات مؤثرة لخصومها منذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تتمكن من تحقيق ما وصفه نتنياهو مراراً بـ"النصر الكامل"؛ إذ لا تزال حركة حماس تسيطر على نحو 40 بالمئة من قطاع غزة، بينما يواصل حزب الله إطلاق الطائرات المسيرة باتجاه شمال إسرائيل، كما أن النظام الإيراني ما زال قائماً برغم سنوات من التصعيد العسكري.
تأييد للحرب وعزلة دولية متزايدة
وأشارت "فايننشال تايمز" إلى أن غالبية الإسرائيليين أيدوا الحرب ضد إيران وعارضوا وقف إطلاق النار، كما يؤيد كثيرون مواصلة استهداف حزب الله في لبنان؛ إلا أن الشعور السائد يتمثل في الاستياء من الضغوط الأميركية التي أجبرت إسرائيل على إنهاء القتال قبل تحقيق أهدافه، وأيضاً من الفجوة العميقة بين كلفة الحرب والنتائج المحققة على الأرض، بالتزامن مع عزلة دولية متزايدة تواجهها إسرائيل بسبب الحرب على غزة، والتي أسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني.
وفي السياق الميداني، نقلت الصحيفة عن "شير" (23 عاماً)، وهي شابة تؤدي الخدمة الاحتياطية وتعمل في أحد مقاهي سوق "محانيه يهودا" بالقدس، قولها: "الأمر مرهق؛ ففي الجيش يسود توتر شديد حيث تتهيأ للصواريخ، وعندما تأتي إلى العمل لا تجد أحداً لأن الناس يخشون الخروج لعدم وجود مأوى هنا، وتقول: إنه أمر محزن للغاية".
كما نقل التقرير عن موشيه (26 عاماً)، وهو حارس أمن من القدس، قوله: "إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار وما زال هناك خطر من الصواريخ الإيرانية، فلن يكون له أي قيمة.
أريد أن أعيش بسلام وهدوء ولا أريد الركض باستمرار إلى الملاجئ، وأضاف، إذا كان وقف إطلاق النار لثلاثة أشهر ثم تندلع حرب أخرى، فهذا ليس وقفاً للقتال، إنه هراء".
ضغوط ترامب وغضب الناخبين يحاصران الائتلاف
ورأت الصحيفة أن حالة السخط الشعبي وضعت نتنياهو في موقف سياسي معقد، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة قبل نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل؛ ففي حين يطالب جزء كبير من ناخبيه بمواصلة الحرب، يضغط ترامب من أجل التوصل إلى تسوية دائمة وإنهاء المواجهة مع إيران، مما دفعه في أكثر من مناسبة إلى كبح العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ونقلت الصحيفة عن الرئيس السابق في ديوان نتنياهو والمحلل السياسي الحالي، أفيف بوشينسكي، قوله: "الشعب الإسرائيلي مستاء للغاية من الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه، ولكن من دون تنسيق كامل مع الولايات المتحدة، سيكون الثمن الذي سندفعه في إسرائيل لمواصلة القتال ضد إيران باهظاً".
واستغل خصوم نتنياهو هذا المناخ لتوجيه انتقادات حادة له، متهمين إياه بالتفريط في استقلالية القرار الإسرائيلي لصالح الإدارة الأميركية؛ حيث اتهم رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، نتنياهو بأنه "فقد السيطرة على السيادة الإسرائيلية"، فيما وصفه وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان بأنه أصبح "دمية" بيد ترامب.
وفي نهاية التقرير، لفتت "فايننشال تايمز" إلى أحدث استطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، والذي أظهر أن أكثر من 60 بالمئة من الإسرائيليين يعتقدون أن نتنياهو لا ينبغي أن يترشح في الانتخابات المقبلة.
وقالت خبيرة استطلاعات الرأي والمحللة السياسية داليا شيندلين إن الإحباط من نتائج الحرب قد لا يؤدي إلى خسارة نتنياهو قاعدته الانتخابية الصلبة، لكنه سيصعب عليه استعادة الناخبين الذين دعموا معسكره في انتخابات 2022 وتخلوا عنه لاحقاً، مضيفة: "السؤال هو ما الذي سيغير رأيهم؟ وإذا كانوا ينظرون إليه على أنه حوّل إسرائيل إلى دولة تابعة أو دمية في يد ترامب، فلن يغير ذلك مواقفهم".




