تجاوزت تداعيات فرار ثلاثة أسرى من سجون الحرس الوطني في السويداء، الجانب الأمني من الحدث لتشعل خلافاً على تعيين القيادة الجديدة، وتكشف عن ملامح انقسام وتعدد لمراكز القوى داخل هذا الجسم العسكري الذي شكله الشيخ حكمت الهجري من تحالف فصائل ومجموعات مسلحة، تحت قيادة مجموعة من الضباط السابقين في النظام المخلوع، في محاولة منه لتوحيد الجهود العسكرية ضمن حالة مؤسساتية استجابة لمطالب "الدول الضامنة" كما يقول أمام ضيوفه وفي بياناته المتكررة.
لكن أول اختبار حقيقي لمدى تماسك الجماعة كان يوم الجمعة الماضي، على وقع فرار الأسرى الثلاثة التابعين للحكومة السورية في دمشق، وهذا ما أدى لانقسامات حادّة كادت تصل إلى مواجهة مسلحة، واستياء شعبي تطور لاحتجاجات هي الأولى من نوعها.
فساد وتواطؤ داخلي
من فتحة صغيرة في الجدار لا يتجاوز قطرها متراً واحداً، خرج الأسرى الثلاثة من مكان احتجازهم الذي كان في غرفة داخل مقر القيادة الرئيسي للحرس الوطني قرب الفندق السياحي وسط مدينة السويداء، وهذا ما يعكس حجم الخرق الأمني الكبير في مقر القيادة، لكن أسيراً رابعاً لم يتمكن من المغادرة مع أقرانه الثلاثة نتيجة معاناته من آثار إصابة سابقة، قدم معلومات عن تورط العناصر المناوبين بالحراسة، وهذا ما أدى لحملة اعتقالات شملت مجموعة أشخاص داخل الحرس الوطني وخارجه.
وتبين في التحقيقات التي بث الحرس الوطني بعض تفاصيلها، أن عناصر الحراسة كانوا متواطئين منذ عدة أسابيع في تسهيل إدخال هاتف محمول وأغراض أخرى للأسرى، من خلال الاتصال مع ذويهم، مقابل مبالغ مالية زهيدة، من 50 إلى 100 دولار في أوقات متفرقة، وهذا ما يشير إلى حالة من الفساد الناتجة بشكل رئيسي عن انقطاع رواتب الحرس الوطني منذ ثلاثة شهور، وفق مصادر خاصة لـِ "المدن".
خلاف على القيادة الجديدة
على إثر الغضب الشعبي العارم من حادثة تهريب الأسرى، سارعت قيادة الحرس الوطني إلى إعلان إعفاء القائد العسكري للحرس العميد جهاد الغوطاني، من مهامه، قبل أن يخضع لأي تحقيق. وفي وقت لاحق، برر الناطق باسم الحرس الوطني الرائد طلال عامر، أن إعفاء الغوطاني ليس بسبب تورطه في تهريب الأسرى ولم يثبت عليه ذلك، لكن في إطار إعادة الهيكلة و"الانتقال من العقلية الشرقية في بناء المؤسسة العسكرية إلى العقلية الغربية". وأضاف أن التحقيقات الأولية لم تثبت أي تورط للقائد السابق في عملية تهريب الأسرى، لكنه يجب أن يتحمل المسؤولية عن هذا الخلل الأمني كونه قائد المؤسسة.
ولم يعلن الحرس الوطني بشكل رسمي حتى اليوم اسم قائده الجديد بعد مرور عدة أيام على الأزمة، بينما تضاربت الأنباء على وسائل الإعلام المحلية حول الاسم، بين مصادر تحدثت عن تعيين العميد فضل أبو عساف كقائد للحرس الوطني، ومصادر أخرى أشارت إلى تكليف قائد أركان الحرس العميد عصام أبو سعيد، بتسيير شؤون القيادة مؤقتاً.
وتحدث مصدر في الحرس الوطني لـِ "المدن"، عن خلافات اشتعلت على تعيين القائد الجديد للمؤسسة، بين مجموعة من الفصائل المنضوية ضمن الحرس. وأشار إلى أن الخلافات لم تكن جديدة لكن شراراتها كانت في حادثة تهريب الأسرى، حيث سارعت فصائل تنحدر من الريف الغربي للسويداء إلى الهجوم على مقر القيادة عقب انتشار الخبر، واستولت على كافة الآليات بعد الاعتداء على الضباط المتواجدين في المقر ثم احتجزت العميد جهاد الغوطاني لفترة وجيزة قبل إطلاق سراحه نتيجة وساطات محلية.
وطالب قادة فصائل الريف الغربي بتعيين قيادة جديدة للحرس الوطني ممثلة بالعميد فضل أبو عساف، وهو ضابط سابق في جيش نظام الأسد، كان يحمل رتبة عميد ركن مهندس، ومتخصص في هندسة المعلوماتية والأمن السيبراني، حيث كانت خدمته في إدارة قيادة القوات المؤتمتة. في المقابل، رفض المكتب الأمني وقادة الفصائل المحسوبين على الشيخ حكمت الهجري تعيين أبو عساف، واختاروا العميد عصام أبو سعيد، الذي كانت خدمته العسكرية في الحرس الجمهوري، من دون التوصل إلى قرار نهائي حتى اليوم.
استياء شعبي واحتجاجات غير مسبوقة
وشهدت مدينة السويداء الأحد الماضي، مظاهرة هي الأولى من نوعها منذ أحداث تموز الدامية، بعد أن كان الطابع العام للمظاهرات في السويداء مرتبطاً بالمطالبة بالانفصال وحق تقرير المصير. إلا أن حادثة تهريب الأسرى أظهرت استياء واسعاً من سياسات الإدارة الذاتية الناشئة في السويداء، انعكس بمظاهرة احتجاجية أمام مبنى المحافظة الذي تتخذه "إدارة باشان" كمقر لتسيير شؤون السويداء.
وطالب المحتجون وفق مقاطع مصورة نشرتها وسائل الإعلام المحلية، بإقالة المكتب الأمني وإلغاء دوره، ومحاسبة جميع المتهمين بعملية تهريب الأسرى من مقر الحرس الوطني، إلى جانب مطالب بعقد مفاوضات لإجراء عملية تبادل لإطلاق سراح المعتقلين في سجون الحكومة السورية.
وقال أحد المشاركين في الاحتجاجات لـِ "المدن"، إن القاضي شادي مرشد الذي كلفه الشيخ حكمت الهجري بتشكيل "مجلس إدارة باشان" قبل شهرين، دعا المحتجين إلى تشكيل لجنة منهم تشترك في عملية التفاوض المتعلقة بالأسرى والمعتقلين، ولجنة أخرى لمتابعة التحقيقات في عملية تهريب الأسرى. كما أكد مرشد أن لا وجود لمسمى المكتب الأمني في الهيكلية الجديدة للإدارة، مشيراً إلى أن الحرس الوطني سيشهد عملية إعادة هيكلة في الفترة المقبلة.
كذلك شهدت مدينة شهبا شمال السويداء، احتجاجات دامت لثلاثة أيام، تمثلت بقطع ذوي المعتقلين والمفقودين لطريق دمشق السويداء بشكل كامل، على خلفية تهريب الأسرى الثلاثة. وطالب أهالي المفقودين في شهبا بتسليمهم الأسرى المتبقين لدى الحرس الوطني لإجراء مفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية وإطلاق سراح أبنائهم.




