التحالف الأميركي الإسرائيلي: هل بدأ الشرخ؟

حلمي موسىالخميس 2026/06/11
Image-1767160588
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمة قناعة واسعة في إسرئيل بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، تعامل على مر السنين داخلياً وخارجياً على أساس أن علاقاته بالإدارات الأميركية المتعاقبة تُعتبر ورقته الرابحة دوما. فهو يستطيع أن يكسب ثقة المسئولين الأميركيين الموالين لإسرائيل بيسر وسهولة، كما يستطيع أن يلوي يد أو عنق المعارضين لها جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين. والأمثلة على ذلك كثيرة، خصوصاً مع إدارات كل من باراك أوباما أو إدارتي دونالد ترامب الأولى والثانية وبينهما إدارة جو بايدن. وقد وصل بالعلاقة مع إدارتي ترامب حد الاندماج الكامل ما أسهم في التأثير سلباً على ما كان يعرف بالتفاف الحزبين حول تأييد إسرائيل، وهو ما تُوجّ في الحرب على غزة بابتعاد الديمقراطيين الواسع عن إسرائيل. وسرعان ما فضحت الحرب على إيران تدهور العلاقة الإسرائيلية حتى مع الجمهوريين أيضاً.

 

توترات مع ترامب

وترافقت التوترات مع إدارة ترامب مع مجريات الحرب على إيران، خصوصاً في ظل التضارب الواضح بين مصلحة ترامب في إنهاء الحرب ومصلحة نتنياهو في استمرارها. ويشكل اقتراب الانتخابات النصفية في أميركا والانتخابات العامة في إسرائيل عاملاً ضاغطاً على الاثنين ويفرق بينهما. وفيما يظهر أن حسن علاقة ترامب مع نتنياهو لا تخدم الأول في الانتخابات النصفية، فإنها في المقابل، تمثل لدى نتنياهو أقوى أوراقه الانتخابية. وجاء الرد الإسرائيلي على قصف إيران لإسرائيل بعد قصفها للضاحية الجنوبية ليظهر حدة التضارب بين مصالح الطرفين. إذ وجد نتنياهو نفسه في حضن مفارقة قاتلة: عدم الرد كان سيلحق أشد الضرر بمكانة إسرائيل بسبب المعادلة الجديدة التي تفرضها إيران في المنطقة. ولكن الرد يثير حنق ترامب وإدارته المعنيان حاليا بإظهار قدرتهما على ضبط سلوك إسرائيل وخضوعها للمصلحة الأميركية.

تجدر الإشارة إلى أن ترامب نفسه الذي اتهمه كثيرون بأنه كان "دمية" في يد نتنياهو، يحاول مؤخراً إثبات العكس عبر إهانات يوجهها لنتنياهو علنياً. ففي مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، قال ترامب: "أنا من يقرر كل شيء، وليس نتنياهو. لن يكون أمام نتنياهو خيار سوى قبول الاتفاق مع إيران". ولرش الملح على الجرح، قال ترامب في مكالمة هاتفية مع مراسل القناة (12) الإسرائيلية وهو أيضاً مراسل موقع "أكسيوس" الأميركي، إنه سيمنع نتنياهو من مهاجمة إيران. ولكن نتنياهو قرر مع ذلك توجيه ضربة لإيران استهدفت مجمعاً للبتروكيماويات، وجامعة الفضاء والطيران في طهران، ومواقع الباسيج. 

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه كل ساعة على نتنياهو هو: كيف ستكون العلاقة مع دونالد ترامب في الأشهر المتبقية حتى الحملة الانتخابية؟ وربما أن ما حدث في يوم تبادل القصف الإيراني والإسرائيلي من دون مشاركة أميركية علنية على الأقل، هو ما سوف يحدث لاحقاً. ربما أيضاً أن تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تعطي الإشارة حول الوجهة المقبلة. فبعد تهديد ترامب لنتنياهو هاتفياً بإبقاء إسرائيل وحيدة في مواجهة إيران، قال فانس في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، إن "لإسرائيل والولايات المتحدة مصالح مشتركة كثيرة، ولكن لدينا أيضاً بعض المواقف التي تختلف فيها مصالحنا". وجاءت الضربة القاضية والحازمة بقول فانس: "قد يروق هذا لإسرائيل، وقد لا يروق لها، لكننا نفعل ما نراه الأفضل لأميركا". 

وكان فانس قد قال في بودكاست "ثيو فون"، إن ما يحدث في غزة يبدو له كإبادة جماعية، وأن الولايات المتحدة تساعد في تمويل الحملة، وأضاف أنه يبدو أحياناً أن واشنطن تُفضّل مصالح إسرائيل على مصالح أميركا. وفي السياق نفسه، تحدث أيضاً عن معاناة المدنيين في غزة، وانتقد عناصر اليمين الأميركي التي تتجاهلها. وعلى الرغم من أن البعض يرى في تصريحات فانس بداية تغيير في سياسة إدارة ترامب إلا أن آخرين يعتقدون أن فانس يسعى لتكريس نفسه كمستقل عن سياسة ترامب ومتجاوب مع مزاج الشارع الأميركي من دون معاداة إسرائيل.

 

جمهوريون لوقف المساعدات

وتتزايد المطالبات في أميركا بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل والتي تقدر بمليارات الدولارات سنويا بين مساعدة مقررة بقيمة 3.8 مليار دولار وهبات أخرى من مخازن سلاح الجيش الأميركي في إسرائيل نفسها أو في دول قريبة. وقد انضم جمهوريون إلى هذه المطالبات ولكن بطريقة تحويل السلاح من مساعدات إلى نموذج تجاري وبالاتفاق مع إسرائيل نفسها وليس رغماً عنها. وهناك مبادرة يتزعمها السيناتوران مارلين ستوتزمان وإبراهيم حمادة، تدعو إلى توقيع مذكرة تفاهم أمنية جديدة بين البلدين، تحل محل الاتفاقية الحالية التي تنتهي في العام 2028، وإلغاء المساعدات السنوية لإسرائيل. وتكمن أهمية هذه المبادرة في كونها صادرة عن جمهوريين مؤيدين لإسرائيل وليس عن ديمقراطيين ناقمين عليها. ويبدو أن الجميع يحاول التكيف مع المزاج الشعبي الرافض لاستمرار تمويل دافع الضرائب الأميركي لحروب إسرائيل. إذ أظهر آخر استطلاع لمركز بيو للأبحاث أن 60% من الأميركيين لديهم رأي سلبي تجاه إسرائيل، مقارنةً بـِ 53% العام الماضي. كما تراجع الدعم بين الناخبين الجمهوريين، وارتفعت نسبة الجمهوريين الذين يحملون رأياً سلبياً تجاه إسرائيل، ممن تقل أعمارهم عن 50 عاماً، إلى 57%.

وليس صدفة أن نتنياهو نفسه صار يتحدث بإيجابية عن إلغاء المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل مع نهاية هذ العقد. كما كان لافتا تصريح السفير الأميركي الصهيوني في إسرائيل، مايك هاكابي، حول أن "مذكرة تفاهم جديدة مع إسرائيل ستنهي المساعدات وستعتمد على التجارة". وقد اعتُبر تصريحه أول تأكيد رسمي على مثل هذه الخطوة من مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية. ومعروف أن العديد من المسئولين الأميركيين يتحدثون علنا عن أن الحرب مع إيران بدأت بسبب ضغوط من إسرائيل. كما يمكن الإشارة إلى التقارير التي تحدثت عن رفع البنتاغون مستوى الخطورة من التجسس الإسرائيلي على مسؤولين أميركيين.

 

خدعة أم خلافات جدية

ورأت المراسلة السياسية لـِ "معاريف" أنا بارسكي، أن ضرب إسرائيل لإيران كان رسماً لحدود التعامل مع أميركا: إسرائيل تنسق لكنها لا تطلب الإذن بالعمل لا في لبنان ولا في إيران. وترى أن ترامب "طلب من إسرائيل عدم الرد لكن إسرائيل اختارت خلاف ذلك في ما يبدو "ظاهرياً صداماً حاداً مع البيت الأبيض. أما عملياً، وكما يحدث غالباً في العلاقات بين القدس وواشنطن، فالصورة أكثر تعقيداً. من المحتمل أن تكون إسرائيل قد تصرفت بما يخالف الموقف الأميركي. ومن المحتمل أيضاً أن يكون الأميركيون قد فضّلوا الظهور وكأنهم لم يُعطوا الضوء الأخضر. ليس من المستبعد أن يكون الخياران موجودين جنباً إلى جنب: أراد ترامب البقاء خارج جولة المفاوضات، وأرادت إسرائيل ضمان ألا تخلط طهران بين ضبط النفس الأميركي والضعف الإسرائيلي".

وكتب بن كسبيت في "معاريف": "لا يمكن لإسرائيل الصمود أمام جولاتٍ مع إيران. لن يصمد الاقتصاد، ولن يصمد الشعب، وستواجه المؤسسة الأمنية صعوبة بالغة، وكل هذا ينطبق على عهد ترامب. سينتهي هذا العهد خلال عامين ونصف. وبعده سيأتي الطوفان. ما نعجز عن فعله الآن، لن نفعله لاحقاً. والآن، نحن عاجزون عن تحقيق النصر على أي جبهة. الواقع لا يكذب. بل على العكس: بعد سلسلة لا تنتهي من الإنجازات العسكرية المذهلة، تتراجع إسرائيل على جميع الجبهات".

عموماً لخص رونين بيرغمان في "يديعوت أحرونوت"، الموقف بعد الغارات الإسرائيلية غير المرغوب فيها أميركيا على إيران، فكتب: حتى لو بذلت إسرائيل قصارى جهدها، فمن الصعب تحديد أي إنجاز يُذكر في نهاية هذه الجولة القصيرة من القتال. فقد فشلت في تجديد حربها، ولم تستدرج ترامب، وأعادت ربط الساحتين اللبنانية والإيرانية، وتركت طهران تحدد مسارها، وقد تجد إسرائيل نفسها في نهاية المطاف أمام اتفاق أميركي إيراني تعارضه. في أقل من يوم، اتضحت حدود القوة الإسرائيلية وعمق اعتمادها على الولايات المتحدة. من وجهة نظر أعداء إسرائيل، تُعدّ هذه صورة استراتيجية بالغة الأهمية.

لكن ما لا يقل خطورة عن كل هذا، واقع أن منطق الحرب الدائمة وتقديس القوة بات يصطدم بجدارين تزداد قوتهما مع مرور الوقت. ولذلك يحذر الجنرال اسحاق بريك من أن استمرار الحرب ينطوي على خطر إبادة إسرائيل. وفضلا عن ذلك فإن تضعضع التحالف مع أميركا يعزز فرصة فقدان إسرائيل لرصيدها الاستراتيجي أيضاً مع يهود العالم، خصوصاً مع يهود أميركا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث