قلت لريتشارد ميرفي مساعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق لشؤون الشرق الأوسط، وكنا في منتصف العام 1995، بينما تضرب أميركا حصاراً على العراق، ماذا ستفعلون في واشنطن اذا فاجأكم صدام حسين وأعلن انصياعه الكامل لشروط الولايات المتحدة لرفع الحصار عن العراق؟ فقال لي ميرفي وقد لمعت عيناه ببريق من أحرز انتصاراً للتو: صدام لن يستطيع قبول شروطنا.. هل تعرف لماذا؟!.. لأنه ببساطة أن استجاب لشروطنا فلن يكون هناك صدام حسين.
هكذا، ببساطة إن أراد صدام النجاة بالرضوخ لشروط واشنطن، سقط نظامه، وإن أصر على تحدي شروط واشنطن، سقط نظامه أيضاً، ولعل هذا كان السبب الحقيقي لتشدد صدام.
كان هدف واشنطن آنذاك هو استئصال التهديد العراقي، وليس الحد منه، أو تقليصه إلى أدنى درجة.
كانت إدارة الرئيس كلينتون قد دشنت في العام 1993 سياسة جديدة إزاء كل من العراق وإيران، حملت عنوان ( الاحتواء المزدوج) dual containment. وهي السياسة التي انتهت بسقوط بغداد في قبضة الأميركيين عام 2003.
القطب الثاني
إيران، هي القطب الثاني -في سياسة الاحتواء المزدوج- الذي لم يسقط بعد، وإن كان عنوانه في السياسة الأميركية قد تغير لتصبح طهران إلى جانب دمشق وبيونغ يانج ضمن ما أطلقت عليه ادارة الرئيس جورج دبليو بوش،لاحقاً، (محور الشر).
الآن، مع ادارة ترامب، و بمستوى حزم غير مسبوق، تكرر واشنطن نموذجاً للتصعيد ازاء ايران رأيناه ينتهي بمواجهة شاملة.
ذروة التصعيد الأميركي مع إيران، جسدتها شروط الرئيس الأميركي ترامب لإعلان انتهاء الحرب على ايران، والتي اشتملت على خمسة عشر بنداً يمكن تصنيفها الى ثلاث فئات، تتعلق أولاها ببرنامج طهران النووي، وثانيتها ببرنامج تطوير الصواريخ الباليستية الإيراني، أما الثالثة فتتناول نفوذ طهران الاقليمي.
مطالب ترامب، تشتمل على خطة، لا لتفكيك المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم، وإنما لتفكيك النظام الإيراني ذاته! فلو قبلت طهران كل شروط ترامب أو حتى أغلبها، فقد النظام الإيراني مسوغات بقائه، ولو رفضت طهران شروط ترامب أو أهمها، وضع النظام الايراني رأسه تحت المقصلة الأميركية.
طهران تعلمت من مشهد سقوط صدام حسين دروساً كثيرة وهامة،، لكن إنذارات ترامب المتكررة تضعها بإزاء تهديد غير مسبوق، لأول مرة منذ سقوط الشاه السابق محمد رضا بهلوي.
معركة ترامب الرئيسية منذ عودته الى البيت الأبيض ، هي من أجل تكريس إنفراد الولايات المتحدة بزعامة النظام الدولي لمئة عام أخرى، لكن أدواته جاءت مغايرة، من أجل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الذي أعلنه الرئيس الأسبق بيل كلينتون صبيحة إنهيار الاتحاد السوفييتي دونما حرب، حين أطلق شعار (we shall prevail) "سوف نسود" لكن دونالد ترامب جر الشعار الذي اطلقه كلينتون وتبناه أوباما، من أذنيه،مستدعياً أدوات الاستعمار الكلاسيكي لتحقيق غاياته في التوسع والسيطرة، من دون أدنى محسنات للطعم، أو للشكل، أو للرائحة!! وجاءت تجربته في السيطرة- بغير حرب- على فنزويلا واحتياطياتها النفطية الهائلة لتشحنه بجرعة منشطات مضللة، راح يتصور بعدها قدرته على الحصول على ما لدى الآخرين، بمجرد إشتهاء ذلك.
فاكهة إيران المحرمة
مشكلة ترامب في اللحظة الراهنة، أن فاكهة إيران المحرمة، كانت عصية على الاشتهاء، ومشكلته أيضاً أنه إنصاع بعد الحاح،لتمنيات نتنياهو بغزو إيران بهدف (تغيير النظام)، باعتبار أن تحقيق هذا الهدف كاف بذاته لتدمير برنامج ايران النووي، وترسانتها الصاروخية، وتجفيف منابع أذرعتها في لبنان والعراق واليمن.
فشلت محاولة ترامب تغيير النظام في إيران رغم قتل ممنهج للصفوف الثلاثة الأولى للقيادة يتقدمهم المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي، وانتقلت الحرب برمتها إلى مستويات أخرى إتسع معها مسرح العمليات ليشمل جميع دول مجلس التعاون الخليجي التي استهدفتها صواريخ إيران ومسيراتها، في سياق مخطط إيراني أحمق، ظن من وضعوه في طهران أنه كاف للوي ذراع أميركا في الخليج.
حرب إيران على الخليج بدعوى احتضان دوله لقواعد أمريكية، باتت أكذوبة ملتبسة، فضحها إصرار إيران على تكرار استهدافها للجوار الخليجي في البحرين والكويت والإمارات، رغم ما لحق من خسائر في الضربة الأولى، بالقواعد ومشاريع البنية التحتية المستهدفة مراراً.
ثمة أسباب أخرى خفية تدفع طهران الى اختصاص دول الخليج العربية بأكثر من سبعين بالمائة من صواريخها ومسيراتها(أضعاف ما صوبته تجاه إسرائيل). لعل أهمها في تقديري إنشغال اللاعبين الكبار وبينهم إيران بدورها الإقليمي وحدوده، بعدما تضع الحرب أوزارها، وتتحلق القوى الظافرة فيها حول طاولة التهام الإقليم بعد اقتسامه، وهكذا برهانات التصعيد فإن طهران تحاول تفكيك الإقليم توطئة لالتهامه، بينما تحاول أميركا بالضغط العسكري في المقابل، تفكيك التفكيك توطئة لاسقاط طهران ذاتها.
ما يجري الآن على مسرح الشرق الاوسط إذن، هو محاولة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في آخر أطوار الهيمنة، إعادة ضبط معادلات الإقليم وفق مقاييس حلمها، وصورة الذات عندها لمئة عام مقبلة، بعدما استنفذت خارطة الشرق الأوسط كما رسمتها اتفاقية سايكس/بيكو، الغرض منها، حين تجاوزتها حقائق عالم ما بعد سقوط جدار برلين، وانهيار الاتحاد السوفييتي، بكل مشتقاته وتوابعه.
اعتقاد ترامب
يعتقد دونالد ترامب أنه قادر -كعادته- على بلوغ ما يريد، ويظن أن أسلوبه التفاوضي كمهندس لأصعب الصفقات، سوف يمكنه من تركيع ايران بغير حرب، لكن شريكه نتنياهو، لا يطيق الانتظار حتى تنضج طبخة ترامب، بل انه يفضّل إلحاق هزيمة مدوية بإيران يصبح بعدها "فتوة" حارة الشرق الاوسط الوحيد، ويدين له حرافيش المنطقة بالولاء والطاعة!
ترامب يريد نفط طهران وغازها، جنباً إلى جنب مع نفط فنزويلا، ليصبح سيد الطاقة في العالم، لكن نتنياهو يريد ما هو أبعد من النفط، فهو يريد الولاء والطاعة المطلقة، التي تجعل منه سيد الأرضين.
يصر ترامب على تفكيك روابط طهران مع جماعات يصفها بأنها ارهابية، تشمل كل من حزب الله اللبناني، وحركة حماس، وجماعة الجهاد، فضلاً عن جماعة الحوثي في اليمن و تنظيم القاعدة في افغانستان،والحشد الشعبي في العراق.
ويطالب ترامب طهران أيضاً بسحب كافة العناصر المسلحة التابعة لها من المنطقة، و كف يد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، وسحب كافة العناصر التابعة له من كافة مسارح العمليات الاقليمية التي يعمل بها. باختصار هو يريد تفكيك أضلاع المشروع الإيراني، ويفضل أن يتركه لعوامل التعرية تفعل به فعلها، بعد تمزيق أوصاله.
إيران في المقابل تعرف ما يضمره لها ترامب وما يخفيه تحت إبطه، وهي تراهن على عنصر الزمن، وتراه كفيلاً بذاته لتذويب مشاريع ترامب، التي لن يمتد أجلها إلى ما بعد الأجل الرئاسي للرئيس الأميركي، هذا إن استطاع إكمال فترته الرئاسية الثانية، وقد تبقى فيها نحو ثلاثين شهراً، قد تنشغل خلالها أميركا ورئيسها باستحقاقات محاسبة الرئيس أو محاكمته أو حتى الخوض في إجراءات عزله.




