"نيويورك تايمز": ترامب تسبب شخصياً بتعقيد المفاوضات مع طهران

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/06/09
ترامب
انتقادات إسرائيلية لنتنياهو بعد رضوخه لضغوط ترامب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الولايات المتحدة وإيران أصبحتا على بعد أيام من تحقيق اختراق في المفاوضات الرامية إلى التوصل لاتفاق نووي طويل الأمد، في وقت تسعى فيه واشنطن وطهران إلى إنهاء المواجهة العسكرية بينهما عبر تسوية تسمح لكل طرف بإعلان النصر أمام جمهوره الداخلي.

وبحسب الصحيفة، فإن معالم الاتفاق الأولي باتت واضحة منذ أسابيع بالنسبة للمفاوضين، إلا أن العقبة الرئيسية تتمثل في كيفية صياغة تسوية يمكن لكل من واشنطن وطهران تقديمها كإنجاز سياسي للمتشددين والصقور في البلدين.

ورأت الصحيفة أن الولايات المتحدة وإيران، اللتين خرجتا من الحرب من دون انتصار كامل أو هزيمة كاملة، تحتاجان بشدة إلى اتفاق، لكنهما تحتاجان بالقدر نفسه إلى الحفاظ على صورتهما السياسية داخلياً.

ويزيد من تعقيد المفاوضات طبيعة قيادتي البلدين. فمن جهة، ما يزال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي متوارياً عن الأنظار خشية تعرضه للاستهداف على غرار والده المرشد السابق علي خامنئي الذي قُتل في الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى للحرب. ومن جهة أخرى، يواجه الوسطاء صعوبة في التعامل مع الرئيس ترامب بسبب مواقفه المتقلبة وتغييره المتكرر لشروط التفاوض.

ونقلت الصحيفة عن وسطاء ومسؤولين مطلعين أن حالة الجمود الحالية أبقت المنطقة في وضع "لا حرب ولا سلام"، كما وضعت الاقتصاد العالمي في حالة ترقب نتيجة استمرار الحصار المتبادل في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وحذر الوسطاء من أن استمرار هذه الضبابية يرفع احتمالات انهيار عملية السلام بالكامل، خصوصاً بعد تبادل إسرائيل وإيران ضربات عسكرية يوم الإثنين للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار المعلن في نيسان/أبريل الماضي، قبل أن يتراجع الطرفان عن التصعيد.

 

تفاصيل الاتفاق المقترح

وبحسب "نيويورك تايمز"، من المرجح أن يتضمن أي اتفاق أولي سماح إيران بعودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز مقابل وقف الولايات المتحدة حصارها للسفن الإيرانية.

كما يتوقع أن يشمل الاتفاق التزاماً بإطلاق مرحلة ثانية من المفاوضات تنتهي بتخلي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة عليها.

وأشارت الصحيفة إلى أن أي اتفاق متوقع سيتضمن أيضاً الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، وهي النقطة التي تُعد الأكثر حساسية بالنسبة للرئيس الأميركي.

وقالت مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد "تشاتام هاوس" سنم وكيل إن الخلاف الأساسي يدور حول ترتيب تنفيذ الالتزامات، موضحة أن "الولايات المتحدة تريد الحصول على كل شيء من دون أن تقدم الكثير في البداية، بينما يريد الإيرانيون الحصول على مكاسب منذ البداية وتقديم التنازلات تدريجياً".

 

خامنئي والحرس الثوري

ووفق التقرير، ما يزال مجتبى خامنئي مختبئاً لأسباب أمنية، ما يجعل التواصل معه يتم عبر نظام مراسلات معقد يستغرق أياماً للرد على التعديلات المقترحة. وأضافت الصحيفة أن المرشد الإيراني يواجه ضغوطاً من قيادات بارزة في الحرس الثوري ترى أن إيران، بعدما أثبتت قدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، لا ينبغي أن تقدم تنازلات لواشنطن التي قتلت عدداً من كبار قادتها العسكريين خلال الحرب.

وتعتقد هذه القيادات أن الولايات المتحدة ستهاجم إيران مجدداً في المستقبل، وهو ما يدفعها إلى تبني مواقف أكثر تشدداً، من بينها دعم الضربات الإيرانية الأخيرة ضد إسرائيل.

 

ترامب غيّر شروط التفاوض

في المقابل، نقلت الصحيفة عن وسطاء ومسؤولين مطلعين أن ترامب تسبب شخصياً في تعقيد المفاوضات عبر التراجع عن تفاهمات سبق أن توصل إليها مبعوثوه. وقالت إن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ونائب الرئيس جاي دي فانس أبلغا الإيرانيين خلال أولى جولات التفاوض بعد وقف إطلاق النار في باكستان خلال نيسان/أبريل الماضي أن ترامب مستعد لقبول اتفاق يقضي بتعليق برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني لمدة عشر سنوات.

وبحسب المصادر، وافقت طهران على المقترح الأولي، لكنها فوجئت لاحقاً بإصرار ترامب على تمديد فترة التعليق إلى عشرين عاماً، وهو ما أدى إلى انهيار تلك الجولة من المحادثات.

وأضافت الصحيفة أن ترامب أضاف خلال الجولة الأخيرة شروطاً جديدة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والأصول الإيرانية المجمدة، ما أثار غضب المسؤولين الإيرانيين وعزز شكوكهم تجاه الإدارة الأميركية.

 

وسطاء متعددون ومسودات متنافسة

وأشارت الصحيفة إلى أن رفض طهران إجراء مفاوضات مباشرة مع واشنطن دفع عدداً من الدول، وفي مقدمتها باكستان وقطر، إلى لعب دور الوسيط بين الطرفين. وقالت إن تعدد الوسطاء أدى أحياناً إلى تداول أكثر من مسودة تفاوضية في الوقت نفسه، بحيث لا يكون سوى عدد محدود من كبار المسؤولين على دراية بالنسخة المعتمدة فعلياً. ورغم التعثرات المتكررة، يعتقد معظم المحللين أن اتفاقاً أولياً، ولو مؤقتاً وغامضاً، سيظهر خلال الأسابيع المقبلة. وفق "نيويورك تايمز". 

وقالت سنم وكيل إن ذلك لا يعود إلى رغبة أي من الطرفين في الاتفاق، بل لأن كليهما يحتاج إليه. فإيران تواجه أزمة اقتصادية خانقة تفاقمت بعد الحرب، مع استمرار التضخم وانهيار العملة المحلية، فيما يواجه ترامب ضغوطاً اقتصادية متزايدة مع ارتفاع أسعار الطاقة واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية.

 

ترامب يبلغ نتنياهو بقرب الاختراق

وفي خضم هذه المفاوضات، أبلغ ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اتصال هاتفي يوم الإثنين أن الولايات المتحدة وإيران أصبحتا على بعد أيام من تحقيق اختراق في المحادثات الخاصة باتفاق نووي طويل الأمد، وفقاً لمسؤولين مطلعين على تفاصيل الاتصال. وتشير الصحيفة إلى أن ترامب شدد خلال المكالمة على ضرورة عدم اتخاذ خطوات عسكرية قد تؤدي إلى إفشال المسار الدبلوماسي الجاري. 

وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن قرار نتنياهو وقف جولة جديدة من التصعيد العسكري ضد إيران جاء بعد الضغوط التي مارسها ترامب خلال المكالمة الهاتفية. وقالت الصحيفة إن نتنياهو أصدر أوامر للجيش الإسرائيلي بتعليق خطط هجوم جديد ضد إيران بعد وقت قصير من انتهاء الاتصال، وذلك وفق مسؤولين أميركيين وإسرائيليين مطلعين على فحوى المحادثة.

 

انتقادات إسرائيلية واسعة

وأثار القرار موجة من الانتقادات والسخرية داخل إسرائيل، سواء من خصوم نتنياهو أو من بعض حلفائه. ونشر رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وعضو الكنيست الحالي غادي آيزنكوت إعلاناً انتخابياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي تضمن تسجيلاً لترامب وهو يقول عن نتنياهو: "سيفعل كل ما أريده منه".

وجاء في الشعار المرافق للإعلان: "الولايات المتحدة لديها قائد، أما إسرائيل فلا قائد لها. هذا هو الفرق كله".

وتأتي هذه الانتقادات في وقت تستعد فيه إسرائيل لإجراء انتخابات عامة خلال وقت لاحق من العام، بينما أظهرت استطلاعات رأي حديثة تقدم آيزنكوت على نتنياهو كخيار مفضل لرئاسة الحكومة.

من جهته، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت إن "الساعات الأربع والعشرين الماضية ستُذكر باعتبارها بداية تطبيع واقع الهجمات الإيرانية المتقطعة"، معتبراً أن نتنياهو "غير قادر على اتخاذ قرار في أي جبهة، لا في غزة ولا في لبنان ولا في إيران". كما وجه عضو الكنيست عن حزب "الليكود" دان إيلوز انتقادات مشابهة، وإن بصورة أقل مباشرة.

وقال في بيان نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن الحكومة الإسرائيلية "تخلت بالكامل عن القدرة على التحرك الحاسم ضد التهديدات القادمة من إيران ولبنان". واعتبر أن إسرائيل أصبحت عملياً ممنوعة من استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل "حزب الله"، ما لم يهاجم الحزب المدن الإسرائيلية الكبرى.

وأضاف أن هذا الواقع يترك إسرائيل دون ردع كافٍ تجاه الهجمات التي تستهدف البلدات الصغيرة في شمال البلاد، قائلاً: "نحن نمتنع عن استخدام الأداة الهجومية الوحيدة المتاحة لنا لردع العدو".

 

حرب اقتصادية وعسكرية موازية

وفي الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات، تدور مواجهة عسكرية واقتصادية محدودة في الخليج العربي. وأوضحت الصحيفة أن القوات الأميركية رافقت عشرات السفن عبر مضيق هرمز، فيما واصلت واشنطن وطهران تبادل الضربات العسكرية.

وقال الباحث في الشؤون الإيرانية فرزان ثابت إن الولايات المتحدة تسعى إلى تقويض قدرة إيران على التحكم بالمضيق مع تشديد الحصار على الملاحة الإيرانية، بهدف زيادة الضغوط الاقتصادية على طهران وتخفيف آثار الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وأضاف أن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها بالكامل بعدما أثبتت إيران قدرتها على الرد واستهداف حلفاء واشنطن في الخليج، مشيراً إلى الضربة التي استهدفت مطار الكويت الدولي الأسبوع الماضي وأدت إلى مقتل شخص واحد.

 

طهران تراهن على الوقت

وبحسب الوسطاء الذين تحدثوا للصحيفة، فإن القيادة الإيرانية لا تبدو قلقة من احتمال انهيار المفاوضات والعودة إلى الحرب. ويرى المسؤولون الإيرانيون أن ترامب، الذي خاض حملته الانتخابية على أساس تجنب الحروب الطويلة، لا يرغب في الانخراط في صراع ممتد.

ويعتقد الإيرانيون أن تباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم داخل الولايات المتحدة سيجبر ترامب في نهاية المطاف على تقديم تنازلات.

وقال فرزان ثابت إن الاقتصاد العالمي سيدخل "منطقة شديدة الصعوبة" بحلول نهاية الشهر الجاري وخلال تموز/يوليو المقبل، مضيفاً أن الإيرانيين يعتقدون أن "ترامب يستطيع الصمود لأسابيع، بينما يستطيعون هم الصمود لأشهر".

لكن سنم وكيل حذرت من أن فرص تحول أي اتفاق أولي إلى اتفاق نووي نهائي وشامل ما تزال محدودة، رغم اقتراب الطرفين من التوصل إلى إطار تفاهم أولي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث