أعلنت بريطانيا، اليوم الثلاثاء، عن حزمة عقوبات تستهدف شبكات أسهمت في تمويل أعمال عنف للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة وتسهيلها وتنفيذها، في وقت أكد تحقيق للأمم المتحدة أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضالعة على نحو مباشر في هجمات مستوطنين أدت إلى مقتل وإصابة وتشريد فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
عقوبات مشتركة
وقال بيان للحكومة البريطانية، إن العقوبات، التي جاءت بالتنسيق مع كندا وفرنسا والنرويج، تهدف إلى عرقلة تدفق التمويل الذي "سمح لمجموعات المستوطنين المتطرفين بالتصرف مع الإفلات من العقاب" في الضفة الغربية.
وأضاف البيان أن استمرار التوسع الاستيطاني غير القانوني يقوض إمكان حل الدولتين، في ظل مستويات لم يسبق لها مثيل من عنف المستوطنين "الذي يهدف إلى تعمد تدمير منازل الفلسطينيين ومصادر رزقهم في الضفة الغربية".
ودعت الحكومة البريطانية، نظيرتها الإسرائيلية لوقف التوسع الاستيطاني وكبح عنف المستوطنين ومحاكمة المسؤولين عنه ورفع القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني، كما هددت الحكومة باتخاذ مزيد من الإجراءات ما لم يتحسن الوضع.
من جانبها، رفضت إسرائيل الثلاثاء سلسلة العقوبات التي فرضتها بريطانيا مع 5 دول أخرى. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أورين مامورشتاين "ترفض إسرائيل بشكل قاطع الإجراءات المخزية التي اتخذتها حكومات أجنبية ضد مواطنين إسرائيليين، وكيانات إسرائيلية، وأحد الوزراء في الحكومة" اليمينية.
وأوقفت بريطانيا، في عهد رئيس الوزراء كير ستارمر، محادثات التجارة الحرة مع إسرائيل، كما علّقت كذلك عدداً من تراخيص تصدير الأسلحة، وفرضت عقوبات على الوزيرين الإسرائيليين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بحسب وكالة "رويترز". كذلك، انضمت بريطانيا في العام الماضي إلى حلفاء، من بينهم فرنسا وكندا، في الاعتراف بدولة فلسطينية.
حماية المستوطنين
وتأتي العقوبات البريطانية في أعقاب تحقيق للجنة تابعة للأمم المتحدة خلص إلى تورط السلطات الإسرائيلية على نحو مباشر في هجمات المستوطنين التي أدت إلى مقتل وإصابة ونزوح فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بينما وفرت قوات الأمن الإسرائيلية الحماية للمستوطنين.
وخلصت لجنة التحقيق المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة في تقرير، إلى أن السلطات الإسرائيلية مكنت مستوطنين عن طريق الدعم المالي والعسكري من مهاجمة فلسطينيين، في ظل مناخ من الإفلات من العقاب تعززه الهيئات القضائية ووكالات إنفاذ القانون.
ووجدت اللجنة أيضاً أن حركة "حماس"، "ارتكبت جرائم" حرب ضد فلسطينيين وإسرائيليين على حد سواء.
وأشار التقرير إلى أن الهجمات على القرى والأراضي الزراعية الفلسطينية تصاعدت منذ العام 2023، وزادت 130 في المئة، موضحاً أنها تضمنت وقائع شاركت فيها مجموعات من المهاجمين الملثمين. وجاء في التقرير أن قوات أمن إسرائيلية كانت عادة ما ترافق المستوطنين وعملت على حمايتهم وهم يمارسون العنف.
وقال تحقيق الأمم المتحدة إن ما لا يقل عن سبعة فلسطينيين قتلوا وأصيب 832 آخرون العام الماضي، مع استمرار العنف حتى العام 2026 في صورة هجمات شبه يومية، كما خلصت اللجنة في التقرير إلى أن "زيادة مشاركة قوات أمن إسرائيلية في هجمات مستوطنين تعني انهيارا فعليا للتمييز بين المستوطنين والجنود".
وأضاف أن مثل هذا العنف استُخدم لتعزيز سياسة الدولة، بما يشمل الاحتلال غير القانوني، وتشريد الفلسطينيين وضم أراض فلسطينية.
توثيق اختطاف
ووثقت اللجنة حالات اعتداء وخطف وإساءة معاملة نفذها مستوطنون بحق أطفال فلسطينيين، ضمنها واقعة حدثت في 19 أبريل نيسان/إبريل 2025، حيث خُطفت فتاة (12 عاما) وشقيقها (ثلاثة أعوام) تحت تهديد السلاح وتم اقتيادهما إلى بستان زيتون وربطهما بشجرة عن طريق قيود بلاستيكية إلى أن تدخلت أسرتهما.
وقالت اللجنة أيضا إن هؤلاء المستوطنين ارتكبوا أعمال عنف جنسي أو هددوا بارتكابها لغرس الخوف في نفوس الفلسطينيات ومضايقتهن.
وقال رئيس اللجنة إس. موراليدار، وهو قاض هندي كبير سابق، إن "الاعتداءات اليومية المتواصلة التي يشنها مستوطنون إسرائيليون على فلسطينيين أمر لا يطاق ويجب أن تنتهي"، بينما المجتمع الدولي على الضغط على إسرائيل لتفكيك المستوطنات والبؤر الاستيطانية وكبح العنف.
وبحسب التقرير، فإن السلطات الإسرائيلية لم تواصل اتخاذ تدابير لوقف الهجمات رغم التنديد الدوري وتفكيك بعض البؤر الاستيطانية غير المرخصة.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف لـ"رويترز"، إن التقرير "يعكس حجم العنف الذي يمارسه مستوطنون ضد شعبنا". ودعا إلى الرد على ذلك بإجراءات، مثل فرض عقوبات.
ويعيش مئات الألوف من المستوطنين الإسرائيليين بين ملايين الفلسطينيين على الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967. ويرى معظم الدول ومحكمة العدل الدولية أن هذه المستوطنات تشكل انتهاكا للقانون الدولي، وهو ما تعترض عليه إسرائيل مستشهدة بروابط تاريخية ودينية بالأرض.
وتقول جماعات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية إن مثل هذه التحقيقات نادراً ما تؤدي إلى عقوبات.
وأصدرت محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو2024 رأيا استشاريا غير ملزم مفاده أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والمستوطنات هناك غير قانونيين ويجب تفكيك هذه البؤر الاستيطانية في أقرب وقت ممكن، وهي أقوى نتائج توصلت إليها المحكمة حتى الآن بشأن الصراع.
وبخصوص ما وصفته اللجنة بـ"انتهاكات" حماس"، أعربت عن شعورها بقلق بالغ إزاء الانتهاكات الخطيرة التي وثقتها في قطاع غزة الخاضع لسيطرة لحماس.
ووجدت اللجنة أن القوات التابعة لحماس متورطة في ما لا يقل عن 60 من أصل 249 حالة موثقة من عمليات الإعدام والعنف الجسدي الشديد، الذي تضمن الضرب بقضبان معدنية وكسر العظام عقاباً على ما تقول إنه تعاون مع إسرائيل أو نهب المساعدات، من العام 2024 إلى 2025. وتم إعدام 11 رجلاً علناً في حالتين. وقالت اللجنة إن هذه الأفعال تشكل جرائم حرب وانتهاكات للقانون الدولي.
وخلصت اللجنة إلى أن الهجوم الذي شنته "حماس" وجماعات مسلحة أخرى على إسرائيل في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والذي تسبب في مقتل 1200 شخص واقتياد رهائن إلى غزة وتدمير ممتلكات، "يصل إلى حد جرائم الحرب".
وورد في تقرير سابق للجنة أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية خلال هجومها العسكري على غزة، وأن كبار المسؤولين الإسرائيليين، ومن بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حرضوا على هذه الأفعال، فيما رفضت إسرائيل هذه الاتهامات ووصفتها بأنها "مشينة".




