اعتبر الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" ومدير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي السابق، تامير هايمان، أن المواجهة الجارية بين إسرائيل وإيران تمثل "الفصل القتالي الخامس" في سلسلة الحروب المباشرة وغير المباشرة بين الطرفين، محذراً من أن الجولة الحالية قد تؤدي إلى تحول استراتيجي أكثر خطورة من سابقاتها.
ورأى هايمان في تحليل نشرته القناة الإسرائيلية "N12"، أن جميع جولات القتال السابقة بين إسرائيل وإيران كانت مختلفة في طبيعتها وأهدافها، إلا أن الجولة الحالية تحمل مؤشرات إلى تغيرات عميقة في موازين الردع الإقليمية، ولا سيما في ما يتعلق بالعلاقة بين إيران وحلفائها في المنطقة.
واستعرض هايمان المراحل السابقة من المواجهة، مشيراً إلى أن الجولة الأولى اندلعت عقب اغتيال قائد بارز في الحرس الثوري الإيراني داخل مقر إيراني في دمشق خلال نيسان/أبريل 2024، وتضمنت تبادلاً محدوداً للهجمات الصاروخية أعقبته ضربة إسرائيلية استهدفت منظومات دفاع جوي إيرانية.
اغتيال نصرالله
أما الجولة الثانية، فجاءت بحسب التحليل الإسرائيلي بعد اغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصر الله في بيروت في أيلول/سبتمبر 2024، وشهدت إطلاق إيران موجات واسعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، قبل أن ترد الأخيرة باستهداف مواقع إنتاج الصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي الإيرانية.
وأشار هايمان إلى أن الجولة الثالثة تمثلت في "حرب الأيام الاثني عشر" خلال حزيران/يونيو 2025، والتي هدفت، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى تدمير المشروع النووي الإيراني، إلا أن النتائج لم تكن حاسمة بصورة كاملة، إذ تمكنت طهران لاحقاً من استعادة جزء من قدراتها.
وأضاف أن الجولة الرابعة كانت "حرب الأربعين يوماً" في شباط/فبراير 2026، والتي نُفذت بمبادرة إسرائيلية-أميركية مشتركة، واستهدفت إضعاف النظام الإيراني وتقليص قدراته العسكرية الهجومية.
ورأى هايمان أن السمة الأبرز للجولة الحالية تتمثل في كونها أول مواجهة يقودها مجتبى خامنئي بصورة مباشرة منذ توليه السلطة الفعلية في إيران. ووفق التحليل، فإن إصابته خلال الأيام الأولى من عملية "زئير الأسد" حدّت من دوره في البداية، إلا أن التطورات اللاحقة جعلت من المواجهة الحالية أول اختبار فعلي لقيادته.
تحول استراتيجي
وبحسب الكاتب الإسرائيلي، فإن مجتبى خامنئي يسعى من خلال إدارته للأزمة إلى توجيه عدة رسائل متزامنة، تشمل إظهار القوة والثقة أمام الداخل الإيراني، والتشدد في أي مفاوضات مستقبلية، إلى جانب تحميل إسرائيل مسؤولية التصعيد، والتأكيد أن مفهوم "وحدة الساحات" الذي يقوم عليه المحور المدعوم من إيران ما زال قائماً رغم الضربات التي تعرض لها خلال العامين الماضيين.
واعتبر هايمان أن العلاقة بين إيران و"حزب الله" تشهد تحولاً استراتيجياً لافتاً. فبينما كان الحزب يُنظر إليه سابقاً باعتباره قوة ردع تعمل لحماية إيران، يرى الكاتب أن المعادلة انعكست اليوم، وأصبحت طهران هي التي تخوض المواجهة دفاعاً عن الحزب وعن موقعه في لبنان.
ويعتقد هايمان أن هذا التحول يمثل، من وجهة النظر الإيرانية، مكافأة لـ"حزب الله" ولأمينه العام نعيم قاسم على استمرار دعمه لطهران رغم الضغوط الداخلية اللبنانية. كما يربط هذا التوجه بمحاولة إيرانية أوسع لفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، على غرار ما تسعى إليه في مضيق هرمز، بما يكرس ما يسميه "الردع الموسع" الذي يمتد من الأراضي الإيرانية إلى الساحة اللبنانية.
ويرى التحليل أن المواجهة الحالية تختلف عن سابقاتها لأنها لا تستهدف تحقيق هدف عسكري محدد يمكن قياسه، كما حدث في الحرب على البرنامج النووي الإيراني أو في العمليات الرامية إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل تركز على إعادة رسم حدود الردع وقواعد الاشتباك بين الطرفين.
وبحسب هايمان، فإن هذا النوع من الحروب ينطوي على مخاطر أكبر، لأن نجاحه أو فشله لا يمكن تقييمه خلال المعركة نفسها، بل بعد انتهائها. ويشير إلى أن المعيار الحقيقي لقياس نتائج الجولة الحالية سيكون في المستقبل، عندما تنفذ إسرائيل عمليات ضد أهداف مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان، وعندها فقط سيتضح ما إذا كانت إيران ستعتبر نفسها ملزمة بالرد دفاعاً عن حليفها.
وحذر الكاتب الإسرائيلي من أن نجاح مجتبى خامنئي في إدارة هذه المواجهة قد يؤدي إلى تعزيز موقعه داخل النظام الإيراني وترسيخ توجهات أكثر تشدداً، كما أن إعادة إحياء مفهوم "وحدة الساحات" وظهور معادلات ردع جديدة تقيد حرية الحركة الإسرائيلية في لبنان يمثلان، بحسب وصفه، تطوراً سلبياً بالنسبة إلى إسرائيل.
وخلص هايمان إلى أن المواجهة مع إيران لم تنتهِ رغم العمليات العسكرية الواسعة التي شهدتها السنوات الأخيرة، معتبراً أن الإنجازات العسكرية الإسرائيلية لم تنجح حتى الآن في خلق واقع أمني أكثر استقراراً. ومن هذا المنطلق دعا إلى ترجمة المكاسب العسكرية إلى ترتيبات سياسية واتفاقات ملزمة، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الصراع عبر جولات متكررة من الردع والعمليات العسكرية.




