لم تبدأ علاقة بعض العرب بالجيش الإسرائيلي من مؤسسة الجيش نفسها، بل من زمن الانتداب البريطاني، مع عصابة "الهاغانا"، التنظيم العسكري الصهيوني الأوسع قبل أن تصبح نواة الجيش الإسرائيلي عام 1948. في هذا السياق ظهرت "بال-هيب"، وهي فصيل بدوي محلي ارتبط بعصابات "الهاغاناه" و"البالماخ" في الجليل الأعلى. تذكر مصادر فلسطينية أن رجالاً من عشيرة الهيب في طوبا زنغرية قاتلوا إلى جانب القوات الصهيونية، وأن الشيخ حسين محمد علي أبو يوسف أرسل عشرات المقاتلين في هذا الإطار في أواخر الأربعينيات.
بعد قيام إسرائيل، لم تعد المسألة مجرد تحالفات موضعية، بل تحولت إلى سياسة دولة. فقد أنشأ الجيش الإسرائيلي أطر خدمة عسكرية خاصة سميت لاحقاً بوحدة الأقليات، وضمت دروزاً وبدواً وشركساً وبعض العرب المسيحيين والمسلمين. ولم تكن الخدمة العسكرية فقط وسيلة اندماج، بل أداة فرز أيضاً، فالدولة العبرية لم تتعامل مع العرب داخل حدودها كجماعة قومية فلسطينية واحدة، بل كطوائف وجماعات منفصلة، يمكن إدماج بعضها واستبعاد بعضها الآخر. ومن هنا نشأت المعادلة الإسرائيلية، تشجيع خدمة الدروز والبدو، وإبقاء أغلبية العرب المسلمين والمسيحيين خارج التجنيد الإلزامي.
بين الإلزام والتطوع
من هذا المنطلق التقسيمي، خضع الرجال الدروز والشركس للتجنيد الإلزامي، بينما بقيت خدمة البدو وسائر العرب غالباً في إطار التطوع. الرواية الرسمية الإسرائيلية تقول إن تجنيد الدروز بدأ عام 1956 بناء على طلب زعامات من الطائفة، لكن دراسات تشير إلى أن المسألة كانت أكثر تعقيداً، وأن هناك اعتراضات داخلية درزية على التجنيد منذ بدايته. لاحقاً، أصبح الدروز أكثر حضوراً في الجيش، ولا سيما في كتيبة السيف، التي شكلت إطاراً قتالياً ذا غالبية درزية. غير أن جيش العدو أعلن عام 2015 إغلاق هذه الكتيبة، مبرراً ذلك بأن الجنود الدروز باتوا يفضلون الاندماج في وحدات الجيش العامة بدلاً من البقاء في إطار طائفي منفصل.
أما البدو، فكان حضورهم مختلفاً. فقد اعتمد الجيش الإسرائيلي عليهم خصوصاً في التتبع، والاستطلاع، والعمل في المناطق الحدودية والصحراوية. ومن أبرز الأطر الحديثة كتيبة الاستطلاع الصحراوية 585، التي توصف بأنها ذات غالبية بدوية مسلمة وتعمل خصوصاً في الجنوب وعلى حدود غزة. غير أن هذه الخدمة لا تلغي التوتر العميق بين الدولة والبدو، خصوصاً في النقب، حيث تستمر قضايا الأرض والقرى غير المعترف بها والفقر والتهميش.
ليس لواء غولاني وحدة عربية، بل أحد ألوية المشاة المركزية في الجيش الإسرائيلي. أهميتها أنها ترمز إلى انتقال بعض العرب، خصوصاً الدروز، من وحدات الأقليات المنفصلة إلى ألوية قتالية عامة. ومن أبرز ضباطها غسان عليان، الضابط الدرزي الذي تولى قيادة لواء غولاني، في واقعة قدمتها إسرائيل بوصفها دليلاً على الاندماج.
لكن السؤال الأساسي يبقى، هل تعني الخدمة في جيش العدو مساواة كاملة؟ أجيب على هذا السؤال بوضوح بعد قانون القومية عام 2018، حين خرج عشرات الآلاف، وبينهم دروز خدموا في الجيش، للاحتجاج على قانون يعرف إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي فقط، ويجعل حق تقرير المصير فيها حصراً باليهود. رأت قطاعات درزية في القانون رسالة قاسية، دولة تطلب منهم القتال والموت في صفوفها، لكنها لا تعترف بهم شركاء متساوين في تعريفها الدستوري.
تفكيك الجماعة العربية
إن تاريخ العرب في الجيش الإسرائيلي ليس حكاية ولاء يمكن الاحتفاء بها، ولا خيانة يمكن اختزالها في حكم أخلاقي جاهز. إنه تاريخ ملتبس، استثمرته دولة الاحتلال في مشروع أوسع لتفكيك الجماعة العربية إلى طوائف ومسارات ودرجات من القبول. لم يكن التجنيد مجرد خدمة عسكرية، بل أداة لإعادة هندسة الهوية، وإنتاج مواطنة مشروطة، تمنح الفرد فرصة صعود داخل المؤسسة، لكنها تبقي الجماعة خارج الاعتراف السياسي الكامل. فالعربي الذي يحمل السلاح ويموت باسم دولة إسرائيل قد يطلب منه إثبات ولائه في كل لحظة، بينما تظل أرضه وذاكرته وحقوقه الجماعية موضع شك ومساومة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، إيلا واوية، المعروفة إعلامياً باسم "كابتن إيلا"، وهي ضابطة عربية مسلمة من قلنسوة في المثلث، جرى تقديمها كواجهة عربية للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بعد سنوات من حضور أفيخاي أدرعي في هذا الدور.
لذلك، لم ولن يكن الجيش الإسرائيلي يوماً طريقاً إلى المساواة، بل وسيلة لجعل بعض العرب يقاتلون من أجل دولة احتلال ما زالت تتردد في الاعتراف بهم كما هم، عرباً، أصحاب أرض وحقوق وذاكرة.




