ليست اللوحة الدعائية العملاقة في شوارع طهران زينة عابرة، بل جبهة قتال. منذ انتصار الثورة في العام 1979، أدركت الجمهورية الإسلامية الايرانية أن الشارع لا يقل أهمية عن الجبهة الخارجية، وأن الجدار قد يصير صحيفة يومية مفتوحة، تقدّس الشهيد وتعلم المواطن كيف يقرأ الحرب. من احتلال السفارة الأميركية في طهران إلى حرب الثماني سنوات مع العراق، ثم إلى صراعها المفتوح مع إسرائيل والولايات المتحدة في الخليج، استخدمت إيران اللوحات والجداريات كآلة تعبئة نفسية وسياسية، لا كفنّ عام فحسب.
السفارة الأميركية.. ولادة الجدار الدعائي
كان اقتحام السفارة الأميركية في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979، لحظة تأسيسية في المخيال الدعائي الإيراني. المبنى الذي صار يعرف في الخطاب الرسمي باسم وكر التجسس تحول إلى متحف مفتوح للعداء مع واشنطن. على جدرانه ظهرت أميركا في صورة شيطان إمبراطوري، علم تتحول نجومه إلى جماجم، وتمثال حرية مشوه، وصواريخ وقنابل وألوان داكنة. لم تكن الرسالة موجهة إلى الأميركيين وحدهم، بل إلى الداخل الإيراني أيضاً، الثورة لها عدو واضح، ومن يعادي هذا العدو ينتمي إلى الأمة الجديدة.
حرب العراق وإيران.. الشهيد بديلا من الجندي
مع اندلاع حرب العراق وإيران في العام 1980، تغيّرت وظيفة الجدارية. لم يعد الهدف فقط شيطنة الخارج، بل تحويل الموت إلى معنىً. امتلأت المدن الايرانية بصور الشهداء، وجوه شابة، هالات نور ورموز كربلائية. كانت الدولة تقول للإيرانيين إن الحرب ليست نزاع حدود، بل امتداد لمعركة الحسين. وهكذا وُلد قاموس بصري شديد التأثير، الجندي لا يموت بل يصعد إلى الجنة، والأم لا تفقد ابنها، بل تقدمه قرباناً للجمهورية والمرشد.
مع مرور الزمن، صار الجدار الثابت أقل قدرة على مخاطبة أجيال لم تعِش الثورة ولا الحرب. لذلك برزت لوحات عملاقة قابلة للتبديل السريع، خصوصاً في ساحة ولي عصر بطهران. هذه اللوحات لا ترسم على الجدار، بل تُعلّق وتُبدّل بحسب الحدث، اغتيال قاسم سليماني، جائحة كورونا، حرب غزة أو توتر الخليج. هكذا انتقلت الدعاية من الجدارية الثقيلة إلى لوحة يسهل تغيرها بسرعة، صورة ضخمة، وعبارة قصيرة.
فلسطين وإسرائيل والأذرع
في ساحة فلسطين بطهران، تتخذ الدعاية شكلاً أكثر هجومية. هناك تظهر إسرائيل غالباً ككيان مؤقت، ساعة رملية، خريطة مخترقة بصاروخ، أو خنجر يمني، عبارة بالعبرية موجهة إلى الجمهور الإسرائيلي. استخدام العبرية ليس تفصيلاً شكلياً، إنه محاولة لإظهار أن الرسالة تصل إلى الخصم. إيران لا تريد أن تقول لمواطنيها فقط إنها تقاتل إسرائيل، بل تريد أن تقول للإسرائيليين إنهم مهددون، ومحكومون بالزوال.
لم تبقَ هذه اللغة الدعائية حكراً على طهران. فقد تأثرت بها أذرع إيران في المنطقة، من حزب الله في لبنان إلى جماعات عراقية والحوثيين في اليمن، حيث تتكرر المفردات البصرية نفسها، صور القادة والشهداء، الصاروخ المرفوع كرمز للكرامة، العلم الإسرائيلي المحترق والعدو الأميركي بوصفه أصل الشر. هكذا صدّرت إيران، مع السلاح والتمويل والخبرة العسكرية، قاموساً بصرياً كاملاً، حوّل الجدار في الضاحية الجنوبية وطريق مطار بيروت أو صنعاء أو بغداد، إلى امتداد رمزي لجدران طهران.
حرب الخليج الأخيرة.. اللوحة كصاروخ نفسي
في التصعيد الأخير في الخليج، عادت اللوحات إلى واجهة المعركة. ظهرت في طهران صور لحاملات طائرات أميركية مدمرة، وعبارات تحذر واشنطن من أن من يزرع الريح يحصد العاصفة. هكذا أصبحت اللوحة امتداداً لاستراتيجية الردع، إيران تعرف أنها لا تملك التفوق العسكري الأميركي، لكنها تملك قدرة على تهديد الممرات، وبالتالي تصدير النفط، وزعزعة الأسواق. لذلك تختصر اللوحة المعادلة في صورة واحدة، إذا ضُربنا، سيحترق البحر.
قوة هذه اللوحات الدعائية أنها بسيطة، مباشرة ومصممة لتصوّر. فاللوحة العملاقة لا تخاطب عابر الطريق فقط، إنها مصنوعة كي تلتقطها وكالات الأنباء العالمية، ثم تنتقل إلى المنصات الغربية. بهذا المعنى، لا تشتري إيران مساحة إعلانية في الإعلام الدولي، بل تجعل الإعلام يأتي إلى ساحاتها.
لا تستخدم إيران اللوحات بوصفها إعلاناً سياسياً فحسب، بل بوصفها سلاحاً نفسياً، جدار يخاطب المواطن الايراني وعدسة تخاطب العالم، ورسالة تقول إن الحرب بنظر النظام الإيراني لا تبدأ حين يطلق الصاروخ، بل حين تُرسم صورته فوق جدار المدينة.




