دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب على إيران من زاوية الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية والمنافسة طويلة الأمد بين تل أبيب وطهران. لا شك أن الحرب الأميركية الإسرائيلية من هذه الزاوية، قد حققت نجاحاً تكتيكياً في تدمير الأهداف التي حددها مخططوها السياسيين والعسكريين. لكن صانعي قرار الحرب بعد أن أشعلوها، وُجهوا بواقع لم يتحسبوا له.
ليست جولة ثانية
كانت خطة الحرب الأساسية محدودة ومتناسبة، مع تصميمها لتكون الجولة الثانية من حرب الأيام الاثني عشر لعام 2025. موجة جوية قاسية ومحكمة تؤدي إلى إنهاء القيادة الإيرانية وسلسلتها للسيطرة، بما يفتح الباب أمام تحركات شعبية ومسلحة أو التفاوض السريع على ترتيب عودة إيران إلى الحضن الأميركي. بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم يكن هنالك من حاجة إلى إشراك أحد في حرب مضمونة النتائج سلفاً؛ لا الحلفاء الأوروبيين، الخليجيين أو الأتراك. الجميع كان مستبعداً، وكان نتنياهو يمنّي نفسه بحيازة جلد الدب (النظام الإيراني) لوحده، ليستكمل تغيير شكل المنطقة وفقاً لأحلامه (أوهامه).
لكن اتضح إن هذه المواجهة التي انطلقت موجتها الأولى يوم 28 شباط/ فبراير الماضي، لن تكون الجولة الثانية من حرب الاثني عشر يوماً. بل كانت حرباً جديدةً كلياً، مع إيران المسنودة من قبل بكين وموسكو. لم تكن بهذا المعنى استكمالاً للحروب التي فجرها "طوفان الأقصى"، بل حرباً تشارك فيها قوىً كبرى، تريد التأثير في الشكل النهائي لميزان القوى الدولية والدفاع عن نفوذها العالمي، إن لم يكن تعزيزه. واجهت واشنطن حرباً تتعاون فيها الصين وروسيا معاً، لمنع الحرب الأميركية-الإسرائيلية المشتركة من تطويع "القلعة الإيرانية". أدرك ترامب وبعض أركان إدارته أن إنجاز أهداف الحرب العسكرية، لن يكون كافياً للفوز في حرب ترتفع فيها الرهانات بين القوى الكبرى إلى هذا الحد.
مواجهة التعاون الإيراني الصيني
غيّر ترامب حساباته بعد أن ظهرت له الأبعاد الدولية للحرب، وتشابكها مع صراع القوى الكبرى على النفوذ العالمي. بدأت الولايات المتحدة إعادة النظر في خططها العسكرية لحرب لم تعد حرباً متمحورة حول أمن إسرائيل بل أضحت حرباً دوليةً تتطلب رؤية استراتيجية. جنح ترامب إلى وقف الحرب، لا لأنها حققت أهدافها، أو لأنها فشلت في تحقيق أهدافها، بل لأن الموارد التي خصصها لشنها وإدارتها، لا تتناسب مع التحول في طبيعتها.
أيقن المسؤولون الأميركيون أن الأدوات، الموارد والتحالفات التي حشدتها بلادهم غير كافية لخوض حرب تنخرط فيها بكين بنشاط، لأول مرة، منذ حربي كوريا وفيتنام أواسط القرن الماضي. أصبح وقف الحرب غاية حيوية بحد ذاته، كي تعيد الإدارة الأميركية ترتيب أوراقها، وتأخذ بعين الاعتبار تصاعد الدور الصيني في دعم المجهود الحربي الإيراني وتصميم خطط طهران العسكرية والمشاركة في تنفيذها. في هذا السياق، ستحتاج إدارة ترامب إلى بناء تحالف شرق أوسطي ودولي لمواجهة الاستراتيجية الصينية-الإيرانية، سبق لنتنياهو أن عارضه بشدة ومنع قيامه قبل الحرب.
من جهة أخرى، وانسجاماً مع حقيقة أن واشنطن لم تحقق نصراً حاسماً، فإنها ستضطر إلى صياغة استراتيجية لاحتواء إيران ومنعها من عودتها إلى موقعها المهيمن على الهلال الخصيب. وسواء تعلق الأمر برغبة ترامب في وقف الحرب أو استراتيجيته لليوم التالي، فقد ظهرت فجوة بينه وبين نتنياهو لا علاج لها. فمن النافل القول إن حكومة نتنياهو لم تحقق أهدافها من الحرب، ولن تستطيع فرض شروطها لإنهائها، ويجد نتنياهو نفسه وحيداً ومعزولاً مع تحرك ترامب نحو الاعتماد على تركيا والسعودية كعمودين إقليميين لاستراتيجيته الرامية إلى احتواء إيران ومواجهة التعاون الصيني الإيراني المتزايد، مع انفتاح الرئيس الأميركي على دور باكستاني أكبر في منطقة الشرق الأوسط.
اللعبة الكبرى الجديدة
والحقيقة الاستراتيجية التي لا مفر منها في نهاية الحرب، أن القلعة الإيرانية ظلت عصية على الأميركيين، بفضل الدعم الصيني. هكذا، تتصلب أركان كتلة أوراسية برية تضم الأراضي الصينية، الروسية والإيرانية، تمتد من شرقي آسيا إلى شرق أوروبا، ومن المحيط الشمالي المتجمد إلى الخليج العربي عبر بحر قزوين، بعيدةً عن الأيدي الأميركية. ليس ذلك فحسب، بل إن الهضبة الإيرانية مع جبال الهملايا وتضاريس أفغانستان الشائكة، توفر حماية جيوسياسية لخاصرتي الصين وروسيا الرخوتين (إقليم شينجيانغ بالنسبة للأولى وجنوب روسيا)، وتقطع طرق واشنطن للوصول إلى جمهوريات آسيا الوسطى. بذلك، تتأكد العزلة الجغرافية لتلك الجمهوريات إلى جانب جارتها أفغانستان، وسط أضلاع مثلث القوة الصيني الروسي الإيراني.
وكي تتمكن واشنطن من الولوج إلى اللعبة الكبرى الجديدة للقرن الواحد والعشرين، التي تتخذ من وسط آسيا مسرحاً لها، ستحتاج إلى ركيزة أرضية قوية، ومدخل من أحد المداخل التالية: تركيا، باكستان أو الهند. ومن النافل قوله إن واشنطن تستبعد، حالياً على الأقل، المدخل الهندي، كي لا تدفع بإسلام آباد نحو الحضن الصيني، عدا عن أن جبال الهملايا تقف سداً منيعاً أمام تغلغل النفوذ الهندي إلى وسط آسيا. وحتى لو تحفّظت باكستان على الانخراط في السياسة الأميركية حيال أفغانستان وآسيا الوسطى، ستجد واشنطن نفسها مضطرةً إلى طمأنة القادة الباكستانيين، الذين أمسكوا بالعصا من المنتصف خلال الحرب الإيرانية، والقلقين من تنامي التحالف بين نيودلهي وتل أبيب، وتزايد النفوذ الهندي العسكري في الخليج العربي عبر الإمارات.
المدخل التركي مع الكوريدور القوقازي
هكذا، لا يبقى أمام واشنطن من مدخل للوصول إلى وسط آسيا، سوى الهضبة الأناضولية المتصلة بالجمهوريات التركية عبر الكوريدور القوقازي (ممر ترامب/ زنغرور). من جهة أخرى، ستفرض سياسات القوى الكبرى في آسيا الوسطى، على واشنطن، تمتين نفوذها المستجد في منطقة القوقاز وتعزيز تحالفاتها في الخليج ومع سوريا، ومنع تحول بلاد الرافدين إلى ساحة للنزال الاستراتيجي، مع الكتلة القارية ورأس حربتها إيران. وفي كل واحدة من هذه المسائل، لن تجد واشنطن شريكاً أفضل من أنقرة.
تركيا، الصاعدة في سماء الشرق الأوسط، جراء تمدد نفوذها في الهلال الخصيب وتحسن علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، هي المرساة الاستراتيجية لواشنطن تجاه المثلث الصيني الروسي الإيراني. ولا شك أن ترامب سيراعي أولويات نظيره التركي رجب طيب أردغان سواء داخل تركيا أم على صعيد المنطقة، خلال ما تبقّى له من ولايته، ولو كان على حساب الآخرين. في هذا السياق، وافقت إدارة ترامب مؤخراً، على تغلغل النفوذ التركي نحو محافظتي دير الزور وحمص والساحل السوري، معترفةً بالمكانة السامية لأنقرة في سياسات بلاد الشام.
بينما تتجه واشنطن نحو تقوية مثلث القوى التركي الخليجي السوري، بوصفه مرتكزاً جيوسياسياً للاستراتيجية الأميركية في اليوم التالي لحرب إيران، يواصل نتنياهو الغرق في مستنقع حروبه الأبدية، والتي لا تتعارض فحسب مع مصالح شعوب المنطقة، وإنما مع المصالح الجيواستراتيجية للولايات المتحدة. لقد دفع نتنياهو الولايات المتحدة إلى حرب أكبر من قدرات إسرائيل وأمام تل أبيب هامش محدود من الوقت، قبل أن تُفرض مصالح واشنطن نفسها عليها.




