ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الولايات المتحدة وإيران أمضتا أسابيع في محاولة التوصل إلى اتفاق أولي لإنهاء الحرب، إلا أن أحد أبرز أسباب تعثر المفاوضات يتمثل في مطالبة طهران بالحصول على جزء من أموالها المجمدة في مرحلة مبكرة من الاتفاق، وهو ما ينطوي على مخاطر سياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب الصحيفة، فإن موافقة ترامب على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة مقدماً ستعيد إلى الواجهة انتقاداته السابقة لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، التي أرسلت أموالاً نقدية إلى طهران عقب تنفيذ الاتفاق النووي في كانون الثاني/ يناير 2016. وكان ترامب قد تعهد هذا الربيع بالتفاوض على اتفاق "أفضل بكثير" من الاتفاق النووي الذي أمضى سنوات في مهاجمته قبل أن ينسحب منه لاحقاً، معتبراً أن أحد عيوبه الرئيسية تمثل في تقديم أموال للنظام الإيراني.
وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب قال خلال مناظرة رئاسية عام 2016 لمنافسته الديمقراطية ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون إن إدارة أوباما جعلت إيران "قوية للغاية عبر أغبى اتفاق ربما رأيته في تاريخ عقد الصفقات... ومع 1.7 مليار دولار نقداً، وهو مبلغ يكفي لملء هذه القاعة".
وأضافت أن ترامب يجد نفسه اليوم في وضع مشابه، إذ يسعى إلى إنهاء حرب لا تحظى بشعبية داخل الولايات المتحدة، بينما يتفاوض مع نظام يعتبر الحصول السريع على الأموال أولوية رئيسية.
مفاوضات متعثرة
وذكرت "وول ستريت جورنال" أن المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن تجري منذ أسابيع عبر وسطاء، حيث تبادل الطرفان مقترحات عدة وقاما برفض عروض متبادلة. وفي الوقت الذي يواصل فيه ترامب التهديد باستئناف الحرب، فإنه يتحدث أيضاً عن قرب تحقيق اختراق دبلوماسي، بينما لا تزال الاشتباكات المتفرقة مستمرة.
وبحسب الصحيفة، تعتبر إيران أن الوصول إلى عشرات مليارات الدولارات المجمدة بسبب العقوبات الأميركية مطلب أساسي في أي اتفاق، لما يوفره من دعم فوري لاقتصادها المتضرر بشدة.
وتطالب طهران بالحصول على نحو 12 مليار دولار فور التوصل إلى اتفاق أولي، إضافة إلى 24 مليار دولار أخرى خلال فترة تفاوض تمتد ستين يوماً بعد الاتفاق.
ونقلت الصحيفة عن المستشار البارز للمرشد الإيراني، محسن رضائي، قوله لشبكة "سي إن إن": "24 مليار دولار ليست مبلغاً كبيراً بالنسبة لأميركا إذا كانت تريد التوصل إلى اتفاق مع إيران. هذه أموالنا وليست أموال أميركا".
وأضافت أن القيادة الإيرانية لا تزال تنظر بعين الريبة إلى الولايات المتحدة، التي انسحبت من الاتفاق النووي وأعادت فرض العقوبات بعد أن كانت قد تعهدت بتسهيل وصول إيران إلى أموالها.
واشنطن ترفض الدفع مقدماً
وبحسب الصحيفة، تقول الإدارة الأميركية إن إيران قد تتمكن مستقبلاً من الوصول إلى جزء من أصولها المصادرة، لكنها ترفض تقديم أي أموال مسبقة أو الالتزام بمبالغ محددة. كما تستبعد واشنطن تقديم إعفاءات واسعة من العقوبات، بما في ذلك السماح لإيران بتصدير النفط من دون قيود.
وأشارت الصحيفة إلى أن الخلاف حول الأموال المجمدة يعكس إرثاً طويلاً من انعدام الثقة بين البلدين. فقرار إدارة أوباما نقل 400 مليون دولار نقداً إلى طهران ضمن دفعة إجمالية بلغت 1.7 مليار دولار عند تنفيذ الاتفاق النووي تحول إلى عبء سياسي على الاتفاق الذي كان يواجه انتقادات واسعة في الولايات المتحدة.
وعندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، قال إنه يوفر مساراً قانونياً لوصول إيران إلى السلاح النووي، ولا يتعامل مع برنامج الصواريخ أو دعم طهران للجماعات المسلحة، مضيفاً أنه "أثرى النظام الإيراني ومكنه من مواصلة سلوكه الخبيث".
وذكرت الصحيفة بأن قرار إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2023 السماح لإيران بالوصول إلى ستة مليارات دولار من أصولها مقابل صفقة تبادل سجناء أثار انتقادات حادة من الجمهوريين، قبل أن يُعاد تجميد تلك الأموال عملياً بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
مخاوف أميركية
وأوضحت "وول ستريت جورنال" أن منتقدي الدبلوماسية مع إيران داخل الولايات المتحدة يرون أن أي تدفق مالي كبير إلى طهران قد يساعدها على تعزيز قدراتها الدفاعية أو زيادة دعمها لشبكة حلفائها الإقليميين، بما في ذلك حركة "حماس" و"حزب الله".
في المقابل، تعتبر القيادة الإيرانية أن الحصول على الأموال المجمدة سيمثل دليلاً على قدرتها على تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية، كما وعدت جمهورها الداخلي، وسيمنع واشنطن من التراجع لاحقاً عن تعهداتها.
ونقلت الصحيفة عن المستشار البارز في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ، قوله إن الأصول المجمدة بالنسبة لطهران ليست "حوافز إضافية"، بل تمثل "دفعة أولى ضرورية لإثبات أن الدبلوماسية تستحق المخاطرة السياسية".
وأضاف: "إنها قضية ستتفاوض إيران بشأنها بشدة لأنها تمس جوهر الثقة والمعاملة بالمثل والمصداقية الداخلية".
نحو 100 مليار دولار مجمدة
ووفقاً للصحيفة، تمتلك إيران ما يقدر بنحو 100 مليار دولار من الأصول التي أصبحت غير متاحة بسبب العقوبات الأميركية، معظمها عائدات نفطية واحتياطيات مالية.
ورغم أن الإفراج عنها قد يوفر دعماً كبيراً للاقتصاد الإيراني، فإن تأثيره يبقى أقل من رفع العقوبات بشكل شامل، الذي من شأنه زيادة عائدات التصدير وجذب الاستثمارات الأجنبية والسماح بالوصول إلى التكنولوجيا الحديثة.
وأشارت الصحيفة إلى أن صادرات إيران لا تزال أقل بنحو الثلث مقارنة بذروتها المسجلة عام 2011 بسبب العقوبات، استناداً إلى بيانات البنك الدولي. وأضافت أن الجزء الأكبر من هذه الأموال موجود في الخارج، خصوصاً في الصين، حيث تراكمت عائدات النفط الإيراني على مدى سنوات، لكن تحويلها إلى النظام المصرفي الإيراني قد يعرض المؤسسات المالية لعقوبات أميركية.
كما توجد أموال أخرى مخصصة لأغراض محددة، من بينها ستة مليارات دولار نُقلت إلى قطر عام 2023 لاستخدامها في شراء المواد الغذائية والأدوية والسلع الإنسانية. وتوجد أيضاً نحو مليار دولار من العائدات الإيرانية في سلطنة عُمان، والتي جرى تقييد الوصول إليها بعد هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
كذلك تمتلك إيران ما يقارب 15 مليار دولار مودعة في مصارف عراقية مقابل صادرات الكهرباء والغاز الطبيعي إلى العراق، بحسب مياد مالكي، المسؤول السابق عن العقوبات في وزارة الخزانة الأميركية.
دور قطري محتمل
وأشارت الصحيفة إلى أن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف زار قطر أواخر الشهر الماضي سعياً للحصول على مساعدة الدوحة في تحرير جزء من الأموال المجمدة، وفق مسؤولين إيرانيين وعرب.
كما قال وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إن قطر أدت مؤخراً دوراً "بنّاءً" في الملفات المالية المرتبطة بالمفاوضات. لكن الصحيفة رأت أن التوصل إلى آلية تسمح لإيران بالوصول إلى الأموال دون موافقة أميركية واضحة لا يزال أمراً بالغ الصعوبة. ومن بين الأفكار المطروحة إنشاء خط ائتمان قطري بضمان الأموال الإيرانية الموجودة في الدوحة، إذا وافقت إدارة ترامب على ذلك.
إلا أن مالكي أوضح أن الإرشادات الأميركية المتعلقة بالعقوبات تمنع تقديم "خدمات مالية كبيرة" للنظام المصرفي الإيراني، ما يعني أن واشنطن ستحتاج إلى طمأنة المصارف القطرية بأنها لن تتعرض لعقوبات.
خيارات محدودة أمام ترامب
ونقلت الصحيفة عن المسؤول السابق عن العقوبات في وزارة الخارجية الأميركية، ريتشارد نيفيو، قوله إن الخيار الأسهل يتمثل في السماح لإيران باستخدام جزء من الأموال المجمدة لأغراض إنسانية.
وأوضح أن الإدارة الأميركية يمكنها تخفيف القيود على الأموال الموجودة في قطر وعُمان والعراق، باعتبارها مبالغ محدودة نسبياً ويمكن مراقبة استخدامها بسهولة. وأضاف أن البيت الأبيض يستطيع في هذه الحالة القول إنه لا يمنح إيران أموالاً مباشرة، فضلاً عن أن إتاحة الوصول إلى هذه الأموال كانت في الأصل قراراً اتخذته إدارة بايدن.
وأشار نيفيو إلى خيار آخر يتمثل في منح إعفاءات تسمح باستمرار شراء الصين للنفط الإيراني، ما قد يؤدي إلى تحرير جزء من الأموال المجمدة هناك ويتيح لطهران تصدير النفط بصورة قانونية، الأمر الذي يعزز إيراداتها ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار أسواق النفط العالمية.
وأضافت الصحيفة أن وسائل إعلام إيرانية تحدثت عن ضغوط تمارسها طهران للحصول على إعفاءات نفطية، إلا أن هذه الخطوة ستُعد تنازلاً واضحاً من إدارة ترامب.
لا تخفيف للعقوبات حالياً
وختمت "وول ستريت جورنال" بالإشارة إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أكد خلال الأسبوع الجاري أن الولايات المتحدة لن تقدم أي تخفيف للعقوبات أو تفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة قبل أن تتخذ طهران خطوات واضحة للحد من برنامجها النووي وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب في إطار أي مفاوضات مستقبلية.
وعندما سُئل عما إذا كانت إيران ستحصل على أي مكاسب اقتصادية مقابل إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة في المرحلة الأولى من الاتفاق المحتمل، أجاب قائلاً: "لا، هذا الأمر لم يُطرح للنقاش".




