أفادت وكالة "رويترز" في تقرير، نشرته اليوم الأربعاء، أنه وبعد أشهر من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتجه الأطراف المتصارعة نحو اتفاق مؤقت قد يضع حداً للقتال من دون معالجة أسبابه الأساسية، في تسوية يُتوقع أن تترك إيران باقتصاد منهك وقاعدة صناعية عسكرية متضررة، لكنها من دون أن تؤدي إلى كسر نفوذ النظام أو إضعاف قبضة الحرس الثوري على السلطة.
ونقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة على المناقشات، إن تقديرات دبلوماسيين ومسؤولين ومحللين إقليميين تشير إلى أن أي مذكرة تفاهم قد يتم التوصل إليها قريباً، لن تمثل انفراجة دائمة بقدر ما ستكون هدنة مؤقتة تؤجل الملفات الخلافية الكبرى إلى مرحلة لاحقة.
ويرى هؤلاء أن النتيجة المحتملة تتمثل في صفقة تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغوط على الأسواق المالية العالمية وعلى إيران، ومنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مخرجاً سياسياً، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيداً إلى وقت لاحق.
وقال الدبلوماسي الأميركي السابق دينيس روس: "تحققت نجاحات عسكرية تكتيكية استثنائية، لكن لم تتحقق مكاسب استراتيجية جوهرية. لم يُغلق أي ملف".
"مساحة التوافق ضئيلة"
وبموجب مذكرة قيد الإعداد، حصلت "رويترز" على ملامحها من مصادر مطلعة على المناقشات، ستنهي إيران إغلاقها الفعلي لمضيق هرمز، وهو شريان رئيسي لإمدادات النفط العالمية، مقابل حصولها على دعم مالي عبر الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة أو تخفيف محدود للعقوبات.
ويرى مسؤولون إيرانيون أن الاتفاق المحدود يمثل وسيلة لكسب الوقت وتأمين دعم مالي واحتواء المخاطر الداخلية المتزايدة نتيجة التدهور الاقتصادي، من دون الدخول في القضايا الأكثر حساسية وتعقيداً.
في المقابل، يسعى ترامب، الذي يضع نصب عينيه انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر، إلى صيغة تتيح له الإعلان عن تقدم في ملف البرنامج النووي الإيراني، خصوصاً فيما يتعلق بمخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب.
ورغم ذلك، ستبقى الأسباب الرئيسية التي دفعت إلى الحرب قائمة إلى حد كبير، إذ ترفض إيران التخلي عن التخصيب، فيما لا تبدو واشنطن مستعدة لتقديم ضمانات أمنية لطهران، بينما تواصل إسرائيل اعتبار إيران تهديداً وجودياً يتعين احتواؤه.
أما إيران، فتعتقد أنه لا يمكن ردع أي هجمات مستقبلية من دون الاحتفاظ بترسانة الصواريخ وشبكة الحلفاء الإقليميين والقدرة على التأثير في تدفقات الطاقة من الخليج.
وقال الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في الشؤون الإيرانية آلان آير: "ما يحتاجه ترامب سياسياً وما ترغب إيران في تقديمه ربما يبدوان قريبين، لكن مساحة التوافق بينهما ضئيلة للغاية".
وأضاف، أن التوجه الحالي يقوم على "التوصل إلى اتفاق الآن وتأجيل جميع القضايا الشائكة إلى مرحلة ثانية"، وهي مرحلة قد لا تأتي على الأرجح.
هدنة قصيرة الأمد
وقال مصدران إقليميان مطلعان على المناقشات إن المحصلة قد تكون هدنة قصيرة الأمد يكتفي بها ترامب، إلى جانب التزام غامض الصياغة بشأن اليورانيوم عالي التخصيب، مع بقاء مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية.
ويرى محللون في المنطقة أنه حتى في حال إعادة فتح المضيق، فإنه سيظل عملياً تحت النفوذ الإيراني، بغض النظر عن طبيعة الترتيبات المتعلقة بالمرور أو الرسوم.
ويقول هؤلاء إن واشنطن لم تعد تركز بالدرجة نفسها على تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، رغم استمرار المخاوف الإسرائيلية والخليجية من هذه القدرات.
وأشارت المصادر إلى وجود عقبات لا تزال تعترض التوصل إلى اتفاق، من بينها إصرار إيران على ربط أي تفاهم بوقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، في مقابل رغبة ترامب في الظهور بمظهر من حقق تقدماً في الملف النووي.
وأضافت المصادر أن ترامب قبل عملياً بما ينفيه علناً بشأن الربط بين لبنان ومضيق هرمز، إذ مارس ضغوطاً على إسرائيل لوقف الضربات على بيروت وضاحيتها الجنوبية خشية أن يؤدي التصعيد إلى تقويض الجهود الرامية للتوصل إلى اتفاق بشأن المضيق.
كما قالت المصادر إن إيران تعتبر الإفراج الفوري عن أصول مجمدة تقدر بنحو 12 مليار دولار شرطاً أساسياً لأي اتفاق، ومن غير المرجح أن تمضي قدماً من دونه.
وقال الخبير في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، إن ترامب يسعى إلى تجنب المقارنات مع الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام 2015، لكن الإفراج عن الأموال الإيرانية قد يعيد تلك المقارنات إلى الواجهة. وأضاف: "لست متأكداً من أن هناك أي طريقة لتفادي ذلك".
الأسباب الأساسية للحرب قد تستمر
في عام 2018، سحب ترامب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، والذي وافقت إيران بموجبه على فرض قيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، معتبراً أن الاتفاق لا يحمي مصالح الأمن القومي الأميركي.
ويبحث ترامب حالياً عن صيغة تتيح له إعلان النجاح في ملف البرنامج النووي الإيراني من دون الانزلاق إلى تصعيد عسكري جديد.
وقال روس: "أعتقد أن بالإمكان التوصل إلى صيغة يفسرها كل طرف على هواه، وعندئذ ستكون المفاوضات اللاحقة محفوفة بالمخاطر". ويشير محللون إلى أن أي هدنة في الصراع قد تمنح الحرس الثوري الإيراني مزيداً من النفوذ والثقة.




