قلعة الشقيف.. الذاكرة والتاريخ بمواجهة الغطرسة والتبجج

ماجد عزامالأربعاء 2026/06/03
قلعة الشقيف © Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ما من داعي ربما إلى تكرار الحديث عن التاريخ البعيد لقلعة الشقيف التي أقامها الصليبيون وشكلت لهم حصناً منيعاً لقرون، لكنها لم تحمِ المشروع الاستعماري للغزاة من السقوط والزوال على يد صلاح الدين الأيوبي ووحدة الحواضر الكبرى في مصر والشام. 

في المقابل، يجب التركيز أكثر على التاريخ القريب والصمود الأسطوري فيها لمقاومي الثورة الفلسطينية من فلسطينيين ولبنانيين بقيادة الشهيد المؤسس ياسر عرفات أمام جحافل الجيش الاسرائيلي بقيادة وزير الحرب أرييل شارون في اجتياح العام 1982، وهذا ما أدى إلى إحباط واكتئاب ثم تنحي واعتزال رئيس الوزراء السابق من جيل المؤسسين مناحيم بيغن الذى فهم مغزى الحدث تكتيكياً واستراتيجياً لجهة الهزيمة الحتمية للمشروع الصهيوني أمام العناد والصمود الفلسطيني والعربي، وصولاً إلى السقوط السهل نسبياً للقلعة الأحد الماضي، وتبجح وغطرسة وريث بيغن السياسي رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.

 

ما من داعي ربما لذكر التاريخ البعيد لقلعة الشقيف التي بناها الغزاة الصليبيون ضمن قلاع عديدة –بديعة عمرانياً- على البحر المتوسط. صمدت وحمت مشروع الغزاة لقرون لكنها انهارت في النهاية أمام حقائق التاريخ والجغرافيا، ولم تمنع السقوط الحتمي للمشروع على يد صلاح الدين الأيوبي واتحاد الشام ومصر واندماج الحواضر الكبرى في دمشق والقاهرة وحلب والموصل وبغداد لدحر المشروع وإن طال لقرون على أرض فلسطين، تماماً، كما جرى مع غزو التتار (المغول) بعد ذلك، وكما سيجرى على الأرض نفسها بمواجهة المشروع الصهيوني.

يبدو التاريخ البعيد معروفاً، لكن ثمة تاريخ قريب جداً لقلعة الشقيف ربما لا يعرفه أو يتجاهله كثيرون، ويتعلق بغزو إسرائيل لبنان في 1982، عندما صمد مقاتلو الثورة الفلسطينية وجبهة المقاومة اللبنانية أمام جيش الاحتلال الذى حشد قوات للغزو أكثر مما فعل على الجبهتين المصرية والسورية في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973.

 

في قلعة الشقيف صمد عشرات المقاومين لأيام بعتاد بسيط ومتواضع وروح قتالية وجهادية عالية، أمام  جيش الاحتلال بقيادة شارون ولأيام  طوال بعدما باتت القلعة مكشوفة عسكرياً ومحاصرة تماماً. وعندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بيغن القلعة بعد احتلالها، ورأى جثث الشهداء القلائل متمسكين بسلاحهم الفردي البسيط واستمع الى تفاصيل ومجريات المعركة، أصيب بالاحباط والاكتئاب واعتزل الحياة السياسية والعامة، بعدما فهم دلالات المعركة ليس فقط التكتيكية بالصمود الأسطوري لمقاومين أمام القوة النارية الهائلة والغاشمة للأذرع الثلاثة للجيش –الجوية والبحرية والبرية- مع حديث  حتى عن استخدام أسلحة كيماوية محرمة دولياً لكسر صمودهم.

الشىء بالشىء يذكر. في مواجهة اجتياح بيروت، صمدت الثورة الفلسطينية وحلفاؤها في المقاومة اللبنانية الذي قتلوا خلال ثلاثة شهور – رغم كراهية منطق عدد الجثث- قرابة الـ 700 جندي إسرائيلي، وخلال ثلاثة أعوام حتى 1985، ارتفع عدد القتلى الاٍسرائيليين إلى ألف و200 تقريباً، مقابل 10 آلاف شهيد فلسطيني ولبناني مع مواصلة  جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) الطريق حتى كنس ودحر الاحتلال من بيروت وصيدا وصور والنبطية، وحشره في الشريط الحدودي  الضيق –توسع  الآن أضعاف مع الخط الأصفر- بصفر "منية" وصفر "عملاء" كما يحلو دائماً لأهل وجمهور "جمول" القول.

 

على صلة، وبمناسبة الصمود الأسطوري للثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية بقيادة ياسر عرفات، لا بد من التذكير بالمقولة الشهيرة لأبو عمار: "كل طفل من أطفال  بيروت له حق على"، وعلى الرغم من أن الصمود  كان بالمتناول لشهور وربما حتى لسنوات –تمنى حافظ الاسد أن يفعل أبو عمار ذلك كي تحرق إسرائيل بيروت فوق رأسه وتبيد الثورة برمتها قيادة ومقاتلين- لكنه اختار الخروج وإنقاذ المدينة الحبيبة الساحرة والمجازفة نحو المجهول، حيث بدا واثقاً بنفسه وشعبه وعدالة قضيته وهو ما تحقق فعلاً على الرغم من مشاريع الانشقاق الأسدية لحركة فتح ومنظمة التحرير عبر اندلاع الهبة الشعبية في الداخل (انتفاضة  الحجارة) في العام 1987، التي ضخت الحياة في شرايين فتح والمنظمة والمشروع الوطني الفلسطيني بشكل عام.

 

الأحد الماضي، سقطت قلعة الشقيف من دون معركة كبيرة وبسهولة نسبياً. ومقابل بيغن المحبط والمكتئب والمعتزل، أطلّ وريثه السياسي بنيامين نتنياهو متبجحاً، متغطرساً ومتباهيا بانتصاره التكتيكي وإغلاق دائرة ما جرى في العام 1982، بمعنى أنه أصلح ما أفسد بيغن وشارون.

تبحح وغطرسة نتنياهو لن ينقذا المشروع الاستعماري الصهيوني المأزوم. حتى لو أعادت إسرائيل احتلال القلعة والجنوب وغزة والضفة الغربية، فلن ينجح ورثة بيغن في تغيير الحقائق والوقائع الراسخة التي فهمها هذا الأخير منذ عقود.

بالعموم، يبدو سقوط المشروع الاستعماري حتمياً حتى لو جاء أداء ورثة صلاح الدين وعرفات و"جمول" سيئاً، ساذجاً واستعراضياً في بعض الأحيان، حيث المراهنة كانت وستبقى دوماً على العناد والعقل الجمعي العربي والإسلامي وحقائق التاريخ والجغرافيا الحاكمة والفاصلة ولو بعد حين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث