لم تعد بنين مكانا بعيداً في حرب الساحل الأفريقي، بل صارت إحدى الجبهات التي تكشف التحول الأخطر في مسار جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الفرع المرتبط بتنظيم القاعدة في المنطقة. فما كان يُقرأ، قبل سنوات، بوصفه تسللاً حدودياً من بوركينا فاسو والنيجر إلى بنين، يتخذ اليوم شكل محاولة متدرجة لتثبيت حضور ميداني داخل الشمال البنيني، في الغابات والممرات الحدودية التى تصل عمق الساحل بدول خليج غينيا.
أحدث المؤشرات جاء مع إعلان جماعة نصرة الإسلام والمسلمين سيطرتها المؤقتة على ثكنتين للجيش البنيني في منطقة كولو قرب الحدود مع بوركينا فاسو. وبالرغم من التعامل بحذر مع الرواية الدعائية للجماعة، فإن دلالة الإعلان لا تقل خطورة عن الحدث نفسه، الجماعة لم تعد تريد أن تظهر كقوة تضرب وتنسحب فقط، بل كطرف قادر على اقتحام مواقع عسكرية، والتقاط صور من داخلها، وتسويق فكرة الحضور الراسخ في شمال بنين.
إنذار "أكليد" وتحول الجبهة
هذا التطور لا يأتي من فراغ. فقد حذر تقرير صادر عن مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة "أكليد"، من أن الجماعات الجهادية الافريقية أعادت تشكيل المشهد الأمني في مناطق الحدود بين بنين والنيجر ونيجيريا، مع تصاعد عمليات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة في الساحل، وتحول هذه المناطق إلى جبهة ناشئة لا مجرد امتداد جانبي لأزمة الساحل.
في قلب هذا التحول يقع مجمع حدود دبليو– أرلي– بندجاري، وهو حدود طبيعية واسعة تتداخل بين بنين وبوركينا فاسو والنيجر، وتحولت بفعل هشاشة الحدود وكثافة الغطاء الغابي إلى ساحة حركة خلفية للجماعات المسلحة. ولم تعد الهجمات مقتصرة على الكمائن العابرة، بل أخذت طابعاً أكثر جرأة ضد الدوريات والمواقع العسكرية وطرق الإمداد.
كولو وما قبلها
في 8 كانون الثاني/ يناير 2025، تلقى الجيش البنيني واحدة من أقسى ضربات، حين قتل ما لا يقل عن 28 جندياً في هجوم قرب متنزه دبليو، عند منطقة التقاء حدود بنين والنيجر وبوركينا فاسو، وأعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليتها عنه. ثم جاءت هجمات نيسان/ أبريل 2025 لتؤكد أن المسار لم يكن عابراً، إذ أقرت حكومة بنين بمقتل 54 جندياً في هجمات على مواقع عسكرية شمال البلاد، بينما أعلنت الجماعة، عبر قنواتها الدعائية، حصيلة أعلى.
ما يجعل عملية كولو أكثر دلالة أنها لا تُقرأ كحادث منفصل، بل كحلقة في مسار متدرج تسعى فيه الجماعة إلى اختبار قدرة الجيش البنيني على الصمود في الشمال، ثم تحويل المناطق الحدودية إلى منطقة استنزاف دائم. فكل ثكنة تهاجم، وكل طريق يقطع، وكل موقع عسكري يخلى أو يصور التنظيم مقاتليه داخله، يتحول في الدعاية الجهادية إلى رسالة مزدوجة: الدولة عاجزة والجماعة حاضرة وقادرة على التمدد.
الطريق إلى خليج غينيا
الأخطر أن بنين ليست هدفاً معزولاً. فقد أشار تقرير "أكليد" إلى أن العنف الجهادي في مثلث بنين والنيجر ونيجيريا تصاعد بفعل ترسخ الجماعات المسلحة، وضعف التنسيق الحدودي، والتحولات الجيوسياسية بعد الانقلابات في الساحل. كما ترى مجموعة الأزمات الدولية أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين دخلت معضلة توسع تتجاوز قلب الساحل، بما يضع دول غرب أفريقيا الساحلية أمام إنذار مباشر.
لذلك، لا تكمن خطورة ما يجري في احتمال وصول مقاتلي الجماعة إلى الموانئ غداً، بل في بناء نفوذ متدرج على الطريق إليها. فالتنظيمات الجهادية تفهم أن السيطرة على الممرات والقرى الحدودية وطرق الوقود والإمداد قد تكون أكثر تأثيراً من السيطرة على مدينة كبرى. إنها لا تزحف نحو المحيط الأطلسي بخريطة عسكرية فقط، بل بشبكة ضغط اقتصادي وأمني واجتماعي.
معركة تنمية قبل معركة الثكنات
ومن هنا، تبدو بنين اليوم حقل اختبار مبكر لمستقبل غرب أفريقيا. فإذا ظل الشمال البنيني منطقة رخوة أمنياً وتنموياً، وإذا استمر ضعف التنسيق بين دول الساحل ودول خليج غينيا في وجه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فإن الحرب ستواصل انتقالها من الصحراء إلى الغابات، ومن الحدود إلى الطرق، ومن الطرق إلى المحيط. أما مواجهتها، فلن تنجح بالدفاع عن الثكنات والمواقع الحدودية وحدها، بل بإعادة بناء حضور الدولة في الأطراف، وتنمية المناطق المهمشة، واستعادة ثقة السكان، قبل أن تسبقها الجماعات المتطرفة المسلحة إلى ملء الفراغ وفرض نفوذها على الأرض.




