واشنطن تضغط على عُمان: اقطعوا العلاقات مع إيران

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/06/02
هرمز (Getty)
الحياد لا يكفي: واشنطن تضيق الخناق على عُمان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

سارع مسؤولون في سلطنة عُمان إلى فتح قناة اتصال خلفية مع طهران، في الأيام الأولى للحرب الأميركية–الإيرانية،  وهو ما ساعد دول الخليج على إعادة فتح ممرات الطيران في المنطقة، في إنجاز دبلوماسي لم يكن ممكناً لولا تمسك مسقط بسياسة الحياد الصارمة في النزاع. بحسب مسؤولين عرب نقلت عنهم صحيفة "وول ستريت جورنال".

لكن بعد ثلاثة أشهر، بدأت هذه السياسة تنقلب ضد عُمان. إذ أفادت الصحيفة بأن "واشنطن باتت تنظر بشكل متزايد إلى نهج مسقط تجاه طهران باعتباره موقفاً معادياً للمصالح الأميركية، وضغطت عليها لاختيار أحد الطرفين وقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران"، وفق مسؤولين أميركيين وعرب تحدثوا للصحيفة.

وهددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأيام الأخيرة، بفرض عقوبات على عُمان، بل وحتى قصفها عسكرياً، بعد تقييم استخباراتي جديد خلص إلى أن مسقط كانت تخطط للانضمام إلى إيران في فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، بحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن مسؤول أميركي. وقد نفت عُمان مراراً وجود أي نية لديها لاتخاذ مثل هذه الخطوة.

وامتنعت وزارة الإعلام العُمانية عن التعليق على الضغوط الأميركية الرامية إلى قطع العلاقات مع إيران. ونقلت "وول ستريت جورنال" عن وزير الإعلام عبدالله الحراصي قوله إن "عُمان مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة وجميع الشركاء المسؤولين لتعزيز الاستقرار ومنع الاضطرابات وحماية مصالحنا الاستراتيجية المشتركة."

وسعت السلطنة إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الولايات المتحدة، حليفتها التقليدية، وإيران، جارتها القوية عبر المضيق، في استراتيجية هدفت – وفق مسؤولين عرب نقلت عنهم الصحيفة – إلى زيادة فرص التوصل إلى سلام دائم.

غير أن عُمان بدأت تفقد مكانتها كدولة عربية يثق بها الطرفان ويمكنهما التعامل معها. وإذا انحازت بوضوح إلى الولايات المتحدة، فإنها تخاطر بالتعرض لهجمات مشابهة لتلك التي استهدفت دولاً خليجية أخرى من جانب إيران خلال الحرب، وفقاً للتقرير.

وترى مديرة برنامج الشرق الأوسط في معهد تشاتام هاوس البريطاني، سنم وكيل، في تصريحات نقلتها الصحيفة، أن سياسة مسقط تجاه طهران "فتحت الباب أمام الانتقادات والتدقيق غير المرغوب فيه لدولة لطالما افتخرت بسياسة خارجية محايدة." 

وأضافت أن التهديدات الأميركية "سلطت الضوء على تصورات موجودة داخل بعض الدوائر الأميركية بأن عُمان متعاطفة مع إيران."

 

حياد يثير الشكوك

وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن عُمان لعبت سابقاً دور الوسيط في جولات متعددة من المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، لكنها لم تُدن إيران بالاسم بعد الهجمات التي استهدفت حركة الملاحة في مضيق هرمز أو الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي شهدتها المنطقة. وقال شخص مطلع للصحيفة إن هذا الموقف ينسجم مع التقاليد الدبلوماسية العُمانية.

وعندما اندلعت الحرب، صرح وزير الخارجية العُمانية بدر البوسعيدي لوسائل إعلام محلية بأن النزاع يضعف المنطقة، ملمحاً إلى ضرورة أن تعيد الدول الخليجية النظر في علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة.

وفي المقابل، أفادت "وول ستريت جورنال" بأن إيران وجهت خلال الحرب قدراً أقل من الهجمات نحو عُمان مقارنة ببقية جيرانها الخليجيين.

ويقول مسؤولون عرب وأميركيون نقلت عنهم الصحيفة، إن الأراضي العُمانية استُخدمت في بداية الحرب لتقديم بعض الإمدادات اللوجستية المحدودة للجيش الأميركي، إلا أن مسؤولاً أميركياً أكد للصحيفة أن حجم هذا الدعم كان ضئيلاً.

وعند طلب تعليق من البيت الأبيض، أحال المسؤولون الصحافيين إلى تصريحات ترامب خلال اجتماع حكومته الأسبوع الماضي. وذكرت "وول ستريت جورنال" أن الرئيس الأميركي قال الأربعاء الماضي إنه قد يأمر بشن غارات جوية على عُمان إذا تعاونت مع إيران في مشروع فرض رسوم على السفن، رغم نفي مسقط المتكرر لهذه الاتهامات.

كما هدد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت السلطنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بفرض عقوبات إذا فرضت رسوماً على السفن العابرة للمضيق. لكنه قال في اليوم التالي إن السفير العُماني في واشنطن، طلال الرحبي، أكد له أن بلاده "لا تخطط لفرض أي رسوم عبور".

 

صدمة في مسقط

وفوجئ المسؤولون العُمانيون بالتحول المفاجئ في الموقف الأميركي، ويعملون حالياً على تحديد كيفية الرد عليه، بحسب مسؤولين عرب نقلت عنهم "وول ستريت جورنال".

ومن بين الخيارات المطروحة إطلاق حملة علاقات عامة لإظهار أن السلطنة تدعم زيادة حركة الملاحة البحرية عبر المضيق. ويشمل ذلك التعاون مع الأمم المتحدة لإقناع إيران بالسماح بمرور السفن التي تنقل مواد أولية لصناعة الأسمدة، كمبادرة تجاه الدول الإفريقية التي تواجه أزمة غذائية، وفقاً لأحد المسؤولين الذين تحدثوا للصحيفة.

وقال مصدر مطلع لـ"وول ستريت جورنال" إن عُمان ساعدت منذ اندلاع الحرب سفناً، بينها سفن أميركية، عبر تقديم الإرشاد الملاحي وخدمات البحث والإنقاذ والمساعدة الطبية لأطقم السفن.

وأكد وزير الإعلام العُماني للصحيفة أن بلاده ما تزال ملتزمة بحرية التجارة وتدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، مضيفاً: "أي تهديد لحرية الملاحة في هذه المياه يضر بمصالح المجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك الولايات المتحدة".

 

علاقات تاريخية مع الطرفين

ولفتت "وول ستريت جورنال" إلى أنه في أيار/مايو كانت عُمان الدولة الخليجية الوحيدة التي رفضت الانضمام إلى بيان أممي قادته الإمارات يدين قرار إيران فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز.

وترتبط السلطنة بعلاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة منذ نحو مئتي عام، وهي من أقدم العلاقات الأميركية مع دولة عربية. كما تربطها علاقات تاريخية تمتد لقرون مع إيران.

وأشارت الصحيفة إلى أن عُمان لطالما اعتُبرت قناة تواصل موثوقة بالنسبة لواشنطن، فقد استضافت مفاوضات لإنهاء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، ثم سهلت الاتصالات السرية بين إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وطهران، والتي أفضت إلى الاتفاق النووي لعام 2015. وكان ترامب قد انسحب من ذلك الاتفاق خلال ولايته الأولى.

وفي السنوات الأخيرة، توسطت مسقط أيضاً في جولتين من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة، قبل أن تتعطل بسبب الضربات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت إيران في حزيران/ يونيو من العام الماضي، ثم مع اندلاع الحرب الحالية في 28 شباط/ فبراير.

 

فقدان النفوذ في واشنطن

ويقول مسؤولون أميركيون نقلت عنهم "وول ستريت جورنال" إن جذور فقدان الثقة بعُمان تعود إلى اليوم السابق للضربات الأميركية- الإسرائيلية الأولى، عندما ظهر وزير الخارجية العُماني على شاشة تلفزيونية أميركية وقال إن التوصل إلى اتفاق نووي يمنع الحرب "بات في متناول اليد إذا أُتيحت للدبلوماسية الفرصة الكافية".

ويرى المسؤولون الأميركيون، وفق الصحيفة، أن هذا التقييم لم يكن دقيقاً، مؤكدين أن إيران لم تقدم عرضاً جدياً للحد من برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، سعت إدارة ترامب إلى تهميش عُمان في أي مسار دبلوماسي، رغم تأكيد مسؤولين أميركيين للصحيفة أنه لا توجد خطة فعلية لمهاجمة السلطنة بسبب علاقتها بإيران، على الرغم من تصريحات ترامب الأخيرة.

وكشفت الانتقادات الأميركية أيضاً محدودية النفوذ العُماني داخل دوائر القرار في واشنطن. فالسلطنة أقل ثراءً وإنتاجاً للنفط من معظم جيرانها الخليجيين، ولا تمتلك نفوذاً سياسياً أو اقتصادياً كبيراً عبر العقود التجارية والعسكرية الضخمة التي تتمتع بها دول أخرى، ورغم استخدام موانئها كمراكز لوجستية للجيش الأميركي، فإنها لا تستضيف قاعدة عسكرية أميركية دائمة، على عكس الإمارات وقطر والبحرين والسعودية والكويت، وفق الصحيفة.

 

توتر مع الجيران الخليجيين

ولم تقتصر الانتقادات على الولايات المتحدة، بل امتدت أيضاً إلى حلفائها الإقليميين، ولا سيما الإمارات والسعودية، اللتين تعتبران أن مسقط باتت أقرب إلى إيران مما ينبغي.

ويقول مسؤولون عرب نقلت عنهم "وول ستريت جورنال" إن عُمان أثارت استياء البلدين برفضها المتكرر التوقيع على بيانات مشتركة تدين الهجمات الإيرانية، وحتى عندما استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية موانئ عُمانية، اكتفت مسقط بالإقرار بالحادثة دون تحميل طهران المسؤولية. كما كان سلطان عُمان السلطان هيثم بن طارق الزعيم الخليجي الوحيد الذي هنأ مجتبى خامنئي بعد تعيينه مرشداً أعلى جديداً لإيران عقب وفاة والده علي خامنئي خلال المراحل الأولى من الحرب.

ويؤكد المسؤولون العُمانيون- بحسب ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين عرب- أن امتناعهم عن إدانة إيران بشكل مباشر، بما في ذلك في قضية حصار مضيق هرمز، يهدف إلى الحفاظ على فرص إنهاء الحرب بصورة نهائية.

وقال وزير الإعلام عبدالله الحراصي لـ"وول ستريت جورنال"، "في منطقة شديدة التقلب، تعني القيادة المسؤولة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع التوترات من التحول إلى صراع."

وبحسب أحد المسؤولين الذين تحدثوا للصحيفة، فإن عُمان لا تنتقد حالياً مطالبة إيران بفرض رسوم على الملاحة لأنها تنظر إليها باعتبارها ورقة تفاوضية إضافية، خاصة في إطار سعي طهران للإفراج عن أموال إيرانية مجمدة بفعل العقوبات الأميركية والدولية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث