في الرابع عشر من أيار/ مايو 2026، صوّت البرلمان العراقي على منح الثقة لحكومة علي الزيدي. أربعون عاماً عمر رئيس الوزراء الجديد. مصرفي، رجل أعمال، ومليونير من جنوب العراق. صعد إلى المنصب بعد خمسة أشهر من الجمود السياسي منذ انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وبعد سحب ثلاثة مرشحين سابقين، أبرزهم نوري المالكي. ستختصر هذه الجملة الأخيرة بالرغم من بساطتها ما حدث للعراق منذ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
يمكن القول أن بغداد ما بعد الحرب حتى الآن لم تعد تُحكم بالطريقة نفسها التي كانت تُحكم بها قبلها. سيصبح السؤال عن احتمالية خسارة إيران للعراق حلقة استفهامية مقبولة، وستكون الإجابة بـِ "لا" مريحة للبعض لكنها غير حاسمة، وستكون الإجابة بـِ "نعم" مغرية للبعض الآخر لكنها مضلّلة. الواقع أكثر تعقيداً بكثير. ولعلّ إدراك ما كانت تمثله ورقة نوري المالكي بالنسبة لطهران ستُفضي إلى التماس طبيعة التحوّلات التي تحدث راهناً.
حكم المالكي العراق بين عامي 2006 و2014، وشكّل خلال تلك المرحلة أحد أهم أعمدة النفوذ الإيراني داخل النظام السياسي العراقي. وفي انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، حصل تحالفه على 29 مقعداً، فيما تصدّر تحالف محمد شياع السوداني المشهد بـِ 46 مقعداً. لكن القوة الحقيقية للمالكي لم تكن في عدد المقاعد، بل في موقعه داخل المنظومة الشيعية الأقرب إلى إيران.
في الحادي عشر من كانون الثاني/ يناير 2026، تنازل السوداني عن حقه في تشكيل الحكومة لصالح المالكي، ثم أعلن الإطار التنسيقي ترشيحه رسمياً لرئاسة الوزراء. بدت الخطوة يومها وكأنها تأكيد على أن طهران ما زالت قادرة على فرض مرشحها. إلا أنّ حجم الاعتراض الأميركي قلب المعادلة.
وجهّت إدارة دونالد ترامب حينها رسالة مفادها أن إعادة المالكي إلى رئاسة الوزراء ستعني وقف المساعدات الأميركية للعراق. وقد حصل ذلك في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية، بحيث كان العراق قد بدأ بالفعل يدفع ثمن الحرب الدائرة حوله، بعدما تراجع إنتاج النفط في الجنوب بصورة حادة، وتضررت حركة التجارة والموانئ.
بعد أسابيع قليلة فقط، انهارت ورقة المالكي. سحب الإطار التنسيقي ترشيحه، ولاحقاً قبل باسمٍ توافقي جديد هو علي الزيدي. وتلك كانت محطة فاصلة، إذ للمرة الأولى منذ سنوات طويلة لم تتمكن إيران من فرض المرشح الذي تريده، واضطرت إلى القبول بمرشح لا يُحسب عليها مباشرة.
على أن التغير في الساحة العراقية لم يظهر فقط في ملف رئاسة الوزراء. ثمة تحول آخر أكثر عمقاً جرى داخل البيئة الشيعية نفسها، جعل البعض يتحدث عما يشبه الانقسام بين الفصائل المسلحة الموالية لإيران، إذ إن"كتائب حزب الله" و"النجباء" تمسكتا بخطاب المقاومة، ورفضتا أي حديث عن تسليم السلاح أو دمجه في الدولة، لكن "عصائب أهل الحق" بدأت تتحدث بلغة مختلفة، هي أقرب إلى التموضع داخل مؤسسات الدولة.
تقدّم قيس الخزعلي بعبارات لافتة من قبيل: "نحن الآن جزءٌ من الدولة"، قُرئت تحليلياً بأنها بداية لتحول ما على اعتبار أن من يستعدّ للعبة المدنية لا يرمي سلاحه لكنّه يؤطّره، لا سيما بعد تصريحات لاحقة لعضو المكتب السياسي لكتلة صادقون الجناح السياسي للعصائب أن "حركة عصائب أهل الحق وكتلة صادقون النيابية تؤمنان بحاكمية الدولة وقوتها، وأن تكون هي الجهة المسيطرة على السلاح، ولا وجود لأي سلاح خارج إطار الدولة". ثمّ جاءت حكومة الزيدي لتجسّد هذا التباين في بنيتها ذاتها. فقد وُلدت من دون أن تحلّ ملفّ الفصائل، وتركت وزارتَي الداخلية والدفاع شاغرتين، وهما بالضبط المفصلان اللذان تتحدّد عندهما العلاقة مع سلاح الفصائل. كان الكرسيّان الفارغان بمثابة رسالة بأن الزيدي لا يريد المواجهة، لكن وكأنه لا يريد أن يسلّم طهران مفاتيح الأمن.
وبالرغم من كل تلك المعطيات، فإن التطور الأهم عراقياً لم يكن قد حدث بعد. فبعد أسبوعين فقط من تشكيل حكومة الزيدي، في 27 أيار/ مايو 2026، قرر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر فك ارتباط "سرايا السلام" بالتيار الصدري وإلحاقها بمؤسسات الدولة تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة. الصدر الذي قاطع انتخابات 2025 بحجة رفض هيمنة السلاح، اختار أن يبدأ بنفسه، قاصداً بذلك أن يقلب قواعد اللعبة. وذلك ديدن كل حركيته السياسية. سيرته كلها هي عبارة عن سيرة رجلٍ كلّما شعر أن البقاء داخل اللعبة سيلطّخه خرج منها، ثمّ يعود في لحظة يشعر فيها أن رصيده حينها يمكن أن يزداد. هو أسس جيش المهديّ الذي خاض به انتفاضتين ضدّ الأميركيين في النجف في العام 2004، ثمّ جمّده في العام 2008 وسحب وزراءه من حكومة المالكي. ثمّ غاب إلى قمّ لسنوات لبناء رصيدٍ مرجعيّ يرفعه من زعيم فصيل إلى رمز دينيّ، ثم عاد وحلّ جيشه القديم وأسّس "سرايا السلام" لقتال داعش.
وحين تصدّر تحالفه "سائرون" انتخابات 2018 لم يجلس على الكرسي، بل حكم من خلف الستار، حاضرٌ في القرار غائبٌ عن المسؤولية. بعدها بثلاث سنوات فاز بأكبر كتلة نيابية، وحاول أن يبني "حكومة أغلبية وطنية" تُقصي خصومه. وحين أوصد الثلث المعطّل والمحكمة الاتحادية في وجهه، فعل ما لم يفعله زعيمٌ قبله: سحب نوّابه الثلاثة والسبعين من البرلمان دفعةً واحدة، فسلّم بيده الأغلبية إلى الإطار التنسيقيّ. ثم أعلن اعتزاله النهائي، فاندفع أنصاره إلى المنطقة الخضراء واشتبكوا بالسلاح قبل أن يأمرهم بالانسحاب خلال ساعة، وكان ذلك أعنف تجلّيات الغياب وأكثرها مرارة. الورقة التي رفعها لِيُحرج بها النظام انقلبت فقوّت الفصائل التي يناهضها.
ثمّ جاءت مقاطعته لانتخابات 2025، فترك الساحة فارغةً تصدّرها الإطار التنسيقي، وعاد الآن بقرارٍ يريد له في ظروفٍ مؤاتية أن يقلبه من قوّة بندقية في الشارع إلى قوّة شرعية تتصدّر المشهد من فوقه. هذا ما يرمي إليه. وهو يريد أن يقلب الطاولة بحيث لا يعود ملف حصر السلاح بيد الدولة مطلباً أميركياً أو خليجياً خارجياً، بل يتحول إلى اختبار داخلي يفرضه زعيم شيعي يمتلك قاعدة شعبية ضخمة.
توقيت مبادرة الصدر لم تكن مصادفة، فالعراق يعيش اليوم تحت الضغط الأميركي المتزايد لإنهاء ظاهرة الميليشيات، وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة بعد إغلاق مضيق هرمز، ذلك أن العراق يستمدّ تسعين في المئة من دخله من النفط، وهو يحتاج إلى تصدير ثلاثة ملايين ونصف برميل يوميّاً لمجرّد دفع رواتب موظّفيه. وبالتالي حين يتأخّر راتب الموظّف سيصبح هذا الواقع وقوداً لأزمة سياسية ولأسئلة سياسية ضاغطة.
لكن بالرغم من كل ذلك، سيكون من الخطأ الاستنتاج أن إيران خسرت العراق. ثمة أوراق ما زالت في يد إيران، وهي ثلاثٌ لم تهتزّ. أوّلها العمود البرلمانيّ المتمثل بالإطار التنسيقيّ، وهو بعد ابتلاعه كتلة السوداني يبقى الكتلة الأكبر بنحو مئة وخمسة وستين مقعداً من أصل ثلاثمئة وتسعة وعشرين، فلا حكومة تقوم من دون التفاهم معه. وثانيها العمود الاقتصاديّ، بحيث تصدّر إيران إلى العراق ما بين عشرة واثني عشر مليار دولار سنويّاً من بضائع وكهرباء وغاز، وهو ارتباط بنيويّ لا يُفكّ في سنة ولا في خمس. وثالثها العمود الأعمق، الدينيّ الاجتماعيّ، بما يعنيه ذلك من شبكة النجف وقمّ، والزيارات، والمرجعيّات. علاقةٌ لا تغيّرها حربٌ ولا انتخابات. يُضاف إليها أنّ الترسانة العسكرية للفصائل ما تزال موجودة.
خلاصة هذا الميزان أن ما يجري ليس انسحاباً إيرانياً، إنما هو انكماشٌ من موقع صاحب القرار إلى موقع أحد أصحاب النفوذ. وهذا الانكماش بالذات هو ما فتح المجال أمام لاعب كالصدر ليجرب أن يملأ ما يعتقد أنه فراغ رمزي تركته طهران خلفها. لكن خطوة الصدر قد تبقى بحد ذاتها هي الأخرى رمزية، وقد تلتفّ عليها الفصائل بصيغ "الدمج الشكليّ" التي تضع السلاح اسمياً تحت الدولة من دون أن تسلّمها القرار، فيحافظ الإطار التنسيقي على تفوّقه العددي، وتبقى حكومة الزيدي حكومة توازن هشّة، ويستقرّ العراق في منطقةٍ رماديّة بين واشنطن وطهران بحيث لا تخسر إيران حضورها، وبحيث يبقى الصدر مؤثّراً غير ماسك بالسلطة.
أما أخطر ما يمكن أن يحصل، فهو أن يتقاطع ضغط نزع السلاح مع الضربات والانهيار المعيشي، فتتحول قضية السلاح من ملف سياسي قابل للتفاوض إلى معركة وجود بالنسبة لبعض الفصائل، وعندها قد تنزلق المنافسة بينها وبين الصدر إلى صدام شيعي-شيعي، على غرار دماء المنطقة الخضراء في العام 2022.
لكن من المحتمل أيضاً أن تمنح أي تسوية أميركية-إيرانية، طهران فرصة التقاط أنفاسها، فتستعيد زمام المبادرة في العراق عبر نفوذها الاقتصادي والبرلماني. على أنه حتى لو لم تخسر إيران العراق كحليفٍ سياسي أو اقتصادي، فإن الحرب الدائرة في المنطقة كشفت أنها غير قادرة على التعامل معه بوصفه عمقاً استراتيجيّاً مضموناً. فقد تعرّضت إيران للهجوم عبر المجال الجوي العراقي، فيما بدا العراق عاجزاً عن منع استخدام أجوائه في واحدة من أخطر المواجهات التي شهدتها المنطقة، سواء بسبب ضعفه السيادي أو بفعل التوازنات الدولية التي تحكمه.
إيران لم تخسر العراق، لكنها خسرت القدرة على التعامل معه بوصفه ساحة مضمونة النتائج. العراق اليوم لا يزال متصلاً بطهران اقتصادياً ودينياً وسياسياً، لكنه يبدو كأنه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة ينتج دينامياته الخاصة على وقع تجاذبات الإقليم.




