أكد وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، أن إيران ما زالت تمتلك "الكثير من الطائرات المسيّرة"، محذراً من أن انخفاض تكلفة هذه التكنولوجيا يجعلها تهديداً يصعب التعامل معه، رغم الضربات التي تعرضت لها القدرات العسكرية الإيرانية خلال الحرب التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي.
وجاءت تصريحات روبيو خلال جلسات استماع متتالية أمام لجنتي العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ والشؤون الخارجية في مجلس النواب، خُصصت أساساً لمناقشة مشروع ميزانية وزارة الخارجية الأميركية، لكنها تحولت إلى منصة لمناقشة الحرب مع إيران وآفاق التوصل إلى اتفاق جديد بشأن برنامجها النووي.
وقال روبيو إن ما وصفه بـ"الدرع التقليدي" الإيراني، المتمثل في شبكة الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استخدمتها طهران لحماية برنامجها النووي، "تآكل بشكل كبير" نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة.
وأضاف أن القدرات البحرية الإيرانية تراجعت بصورة كبيرة، قائلاً إن "ما تبقى من البحرية الإيرانية هو مجموعة من سفن بوسطن ويلر مزودة بمدافع رشاشة".
كما شدد على أن الحصار الأميركي المفروض على إيران لا يزال قائماً، مؤكداً أنه يكبد طهران "مئات الملايين من الدولارات يومياً" نتيجة خسائر الإيرادات المرتبطة بالموانئ والتجارة البحرية.
مضيق هرمز والعقوبات
ونفى روبيو بشكل قاطع وجود أي عرض أميركي يقضي برفع العقوبات أو السماح لإيران بالوصول إلى أموالها المجمدة مقابل إعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي.
وقال أمام أعضاء مجلس الشيوخ: "هذا الأمر لم يُناقش ولم يُعرض علينا"، موضحاً أن أي تخفيف للعقوبات سيبقى مشروطاً بمعالجة الأسباب التي فرضت العقوبات أساساً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني.
وأضاف أن واشنطن لن تخفض العقوبات "لمجرد فتح مضيق هرمز"، مؤكداً أن إيران تتعرض للعقوبات بسبب تخصيب اليورانيوم بمستويات مرتفعة، وأن الولايات المتحدة تريد "التزامات حقيقية" بشأن الملف النووي قبل النظر في أي إجراءات تخفيفية.
وأوضح أن على إيران، في حال أرادت الانتقال إلى مرحلة تفاوضية جديدة، أن تعلن أولاً إعادة فتح المضيق دون فرض رسوم عبور، وأن تزيل الألغام البحرية وتتوقف عن استهداف السفن التجارية والعسكرية. وقال: "إذا وافقت إيران على وقف استهداف السفن فسننهي الحصار، أما استمرار إغلاق مضيق هرمز فهو السبب المباشر لاستمرار الحصار الأميركي".
وحذر من أن أي إصرار إيراني على إبقاء المضيق مغلقاً سيعني استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية الأميركية "بقوة".
مفاوضات شاقة حول البرنامج النووي
وكشف روبيو أن المفاوضات الجارية مع إيران دخلت مرحلة جديدة تتناول ملفات كانت طهران ترفض مناقشتها سابقاً، مشيراً إلى أن المباحثات المقبلة ستكون "فنية للغاية" وقد تستغرق أشهراً.
وأوضح أن المرحلة الثانية من التفاوض ستتركز على مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الموجود في منشآت محصنة تحت الأرض، إضافة إلى فرض قيود طويلة الأمد على أنشطة التخصيب أو إنهائها بالكامل داخل إيران. وقال: "نحن في مرحلة تفاوض على الكثير من النقاط مع إيران، ولن نسمح لها بالحصول على سلاح نووي تختبئ خلفه".
وأضاف أن الإيرانيين الذين كانوا يرفضون سابقاً مناقشة بعض الملفات النووية الحساسة عادوا ووافقوا على التفاوض بشأنها، معتبراً ذلك تحولاً مهماً في الموقف الإيراني.
وأشار إلى أن النظام الإيراني يواجه حالة من التصدع الداخلي، وأن الحصول على ردود من قيادته يتطلب أحياناً عدة أيام، لكنه أعرب عن أمله في التوصل إلى نتائج مقبولة بشأن أزمة مضيق هرمز والملف النووي.
في الوقت نفسه، حذر من أن "اتفاقاً سيئاً مع إيران أسوأ من عدم وجود اتفاق"، مؤكداً أن أي تفاهم مستقبلي يجب أن يحقق أهداف واشنطن المتعلقة بمنع امتلاك طهران للسلاح النووي.
اتفاق مؤقت قيد البحث
وكشف وزير الخارجية الأميركية أن اتفاقاً مؤقتاً مع إيران قد يُبرم في أي وقت، قائلاً: "قد يُبرم اليوم، وقد يُبرم غداً، وقد يُبرم الأسبوع المقبل"، لكنه استدرك بأن ذلك لا يعني بالضرورة أنه سيكون مقبولاً لدى مجلس الشيوخ أو لدى الرأي العام الأميركي.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه المؤشرات داخل الإدارة الأميركية بشأن إمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي قريب، إذ قال الرئيس دونالد ترامب في تصريحات سابقة إنه يعتقد أن بلاده ستتوصل إلى اتفاق مع إيران خلال الأسبوع المقبل، فيما أعرب نائب الرئيس جي دي فانس عن تفاؤله بإمكانية موافقة طهران على عدم تطوير سلاح نووي.
ضغوط سياسية داخل الكونغرس
ومثل روبيو، العضو الجمهوري السابق في مجلس الشيوخ والذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي، أمام الكونغرس للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب مع إيران، بعدما كان قد شارك سابقاً في جلسات إحاطة مغلقة عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى.
وخلال جلسات الاستماع، واجه الوزير الأميركي سيلاً من الأسئلة بشأن الاستراتيجية الأميركية في إيران، في ظل استمرار وقف إطلاق النار الهش بين الجانبين وتبادل الاتهامات بخرقه.
وكان الديمقراطيون قد انتقدوا سابقاً إدارة ترامب بسبب تنفيذ العمليات العسكرية ضد إيران من دون الحصول على تفويض مسبق من الكونغرس، فيما حظيت الخطوة بدعم واسع من الجمهوريين المؤيدين للتشدد تجاه طهران.
كما تتعرض الإدارة لضغوط متزايدة بسبب تداعيات الحرب على أسعار الطاقة. وقال السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي إن الولايات المتحدة تحتاج إلى إنهاء الحرب سريعاً "بغض النظر عن الشروط في هذه المرحلة"، محذراً من تأثير ارتفاع أسعار الوقود على المستهلكين والشركات الأميركية.
في المقابل، يأمل الجمهوريون أن تنجح الإدارة في إعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار البنزين قبل انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر المقبلة، التي ستحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحافظ على أغلبيته الضئيلة في الكونغرس.
وتسعى إدارة ترامب في الوقت ذاته إلى إقناع الكونغرس بالموافقة على خفض ميزانية الشؤون الخارجية بنحو 30%، مقابل زيادة الإنفاق العسكري بنسبة تصل إلى 50 %، في خطوة تعكس أولوية النهج الأمني والعسكري في السياسة الخارجية الأميركية الحالية.
وختم روبيو تصريحاته بالتأكيد على أن أي تسوية مع إيران يجب أن تستند إلى التزامات نووية واضحة وقابلة للتحقق، مشيراً إلى أن دولاً كبرى، بينها الصين وروسيا، لا تؤيد استمرار إغلاق مضيق هرمز، نظراً لما يمثله من شريان حيوي للتجارة والطاقة العالمية.




