العراق: آخر العلاجِ الكيّ

بغداد - وليد إبراهيمالثلاثاء 2026/06/02
Image-1766356089
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست المرة الاُولى التي يتصاعد فيها الحديث بقوة بشان سلاح الفصائل المسلحة، الذي يسمى في العراق بالسلاح المُنفلت. لكن هذه المرة قد تكون الأكثر واقعية والأكثر جدية. فالأمر لم يعد مطلباً داخلياً فحسب، بل خارجيا بالدرجة الأساس تدعمه دول تمتلك قوة التاثير بالداخل العراقي وقادرة على إرباكه بل وحتى إعادة رسمه من جديد.

إن استشعار الجميع، خصوصاً الفاعل السياسي الشيعي (أو ما يسمى بالحاكمية الشيعية)، حقيقة أن النظام السياسي في العراق بات مهدداً بالإنهيار بسبب وجود قوة موازية للدولة لا يُستهان بها ولا تنصاع لأوامر الدولة ويطلق عليها اصطلاحاً بقوى اللادولة، هي حقيقة لم يعد بالإمكان إخفاؤها أو التغاضي عنها. 

إن ما لا يمكن التغاضي عنه هو أن العراق أصبح جزءاً من معادلة إعادة رسم القوة والنفوذ التي تشهدها المنطقة حالياُ كنتيجة حتمية لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب ضد إيران. وهذه الحقيقة تفسر كثيراً حالة التوجس والترقب التي تبديها قوى سياسية عراقية وإلى التحذير مما قد تنتجه هذه المرحلة على الداخل العراقي، إذا لم يتم الأخذ بحلول قاسية قد تتجاوز هذه المرة مسألة العض على الجروح، لتصل الى مرحلة الكَيّ كاجراء أخير لابد منه لتجنب ما يمكن تجنبه، خصوصاً بما يتعلق بملف السلاح المنفلت والفصائل المسلحة ووضع حلول واقعية له.

 

رئيس الوزراء يحذر

في لقائه مع مجموعة من الصحافيين والاعلاميين قبل أيام، تحدث رئيس الوزراء علي الزيدي الذي لم ينتهِ بعد من إكمال تشكيلته الحكومية، بصراحة كبيرة عن الأزمة المالية غير المسبوقة التي تمر بها البلاد، مؤكداً أن استمرارها يمكن أن يتسبب بانهيار الدولة العراقية خلال سنوات إذا لم يتم إيجاد حلول حقيقية وواقعية لها.

ويجزم كثيرون أن الحلول باتت مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بموضوع حصر السلاح بيد الدولة وحل الفصائل المسلحة، وأن دول المنطقة والعديد من دول العالم في مقدمتها أميركا، قالت بشكل معلن وأحياناً غير معلن، إنها لن تقدم أي مساعدات للعراق مع إستمرار بقاء هذا الملف، خصوصاً بعد الموقف المؤيد لإيران الذي اتخذته معظم هذه الفصائل في حرب التسعة وثلاثين يوماً وتنفيذها هجمات مسلحة طالت مصالح مهمة لهذه الدول.

ما بات مؤكداً أن الزيدي عبّر عن التزامه بحل جميع الفصائل بدون استثناء وحصر السلاح بيد الدولة. يقول مقربون إن قبول الزيدي بمنصب رئيس الوزراء كان رهناً بقبول شروطه التي عرضها وقتذاك على تحالف الإطار التنسيقي (الشيعي)، وأولها القبول بحل الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة. وهو ما يفسر ما يحدث الآن وإعلانه قبل أيام أن عدداً من الفصائل المسلحة وافقت على تسليم سلاحها للمؤسسة الأمنية العراقية وأن الخطوات الفعلية لتحويل هذا الإعلان إلى واقع حال قد بدأت بالفعل.

 

الانحناء للعاصفة

لم يكن مفاجئاً أن يكون زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أول الذين أعلنوا استعدادهم دمج فصيله المسلح "سرايا السلام" بالمؤسسة الامنية وتسليم السلاح. فالرجل كان قد أعلن أكثر من مرة استعداده لهذا الأمر. لكن الموقف الحالي قد يكون الأكثر وضوحاً، خصوصاً بعد إعلان إتخاذ إجراءات عملية لتنفيذ الأمر، وهو موقف دفع رئيس الوزراء إلى وصف ما حدث بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح، داعياً الفصائل الاُخرى إلى اتباع ذات المسار الذي أعلنه الصدر.

وقبل أن يجف الحبر لبيان الصدر، أعلن زعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي استعداده دمج فصيله المسلح بالمؤسسة الأمنية. لكن الخزعلي قال إن هذا الأمر سيتم بالتعاون مع هيئة الحشد الشعبي تحديداً وليس المؤسسة العسكرية، مبرراً موقفه هذا بأن الحشد هو جزء من المؤسسة الأمنية العراقية. 

كان الخزعلي حتى وقت قريب أشد الرافضين لنزع سلاح الفصائل. وهكذا فقد شكلَّ حديثه قبل أيام في تبرير هذا التغيير الكبير في موقفه علامة فارقة تستدعي التوقف عندها ملياً. قال الخزعلي إن هذا الإجراء هدفه "تقوية الدولة وهو الهدف الأسمى للمقاومة"، وإن تغيير ما وصفها "الأوليات وتعدد التكتيكات" يجب أن لا يؤثر على "المبدأ الثابت من المقاومة".

هذا الموقف الذي لا يمكن وصفه سوى بأنه موقف براغماتي، يتعارض تماماً مع الموقف الذي كان يعلنه الخزعلي في الماضي القريب وآخرون معه شكلوا ما بات يعرف بـِ "المقاومة الاسلامية في العراق" ووافقوا مؤخراً على نزع سلاحهم. وهذا يدفع إلى القول أنه إن كانت هذه المواقف لا تعدوا كونها إجراءاً مرحلياً لا بد منه لمواجهة استحقاقات مرحلة بات الوقوف بوجهها أشبه بالوقوف بوجه عاصفة هوجاء قد يؤدي إلى الانكسار وربما إلى الخذلان، وإن الانحناء لها حتى تمر بسلام وبدون خسائر أمرٌ لا بد منه.

حتى الآن، أعلنت أغلب الفصائل موقفاً مشابهاً لموقف الصدر والخزعلي. فيما أعلنت حركة النجباء التي يتزعمها أكرم الكعبي، رفضها تسليم السلاح، واتخذت كتائب حزب الله موقفاً مشابهاً. وتصنف حركة النجباء وكتائب حزب الله في العراق بأنهما من أبرز الفصائل العراقية التي تدين بولائها المذهبي لولاية الفقيه في إيران. 

 

الموقف الأميركي

في خضم ما يجري، لا يمكن أبداً تجاهل الموقف الأميركي إزاء كل هذه التطورات التي تحدث في العراق. فالموقف الأميركي يمثل عنصراً هاماً لفهم تطورات وأبعاد وخلفيات هذا الحدث. فالإدارة الأميركية أعلنت في وقت مبكر أنها لن تتعامل مستقبلاً مع أي حكومة عراقية في حال تم منح حقائب وزارية لفصائل مسلحة. وتتحدث مصادر أن الإدارة الأميركية أبلغت من يعنيهم الأمر في بغداد أسماء الفصائل التي سيكون من غير المسموح لها الاشتراك في الحكومة، وأن هذا الشرط هو أحد أهم الشروط التي ستحدد وترسم طبيعة العلاقة المستقبلية بين حكومة الزيدي والإدارة الأميركية.

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، فقد تحدثت تقارير عراقية أن الادارة الأميركية أبلغت رئيس الوزراء بأن صبرها لن يطول كثيراً إزاء هذا المسألة تحديداً، وأن موافقة الفصائل على نزع السلاح وقبولها الاندماج بالمؤسسة الأمنية العراقية يجب أن لا يُقابل بأي حال من الأحوال بأي مكافأة، في إشارة إلى إحتمال قيام رئيس الوزراء بمنح حقائب وزارية لا تزال شاغرة في التشكيلة الحكومية، لمن وافق على نزع السلاح.

 

الموقف الإيراني 

لن يكون من قبيل المبالغة القول إن ما يحدث في العراق هو نتيجة حتمية للتطورات في المنطقة وتحديداً إيران. والحقيقة التي لا نكران لها هي أن إيران لا تزال لاعباً مؤثراً في الداخل العراقي.

تكشف مصادر عن رسالة نقلها قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني لقادة فصائل عراقية مقربة من إيران وافقوا على دعوة الاندماج بالمؤسسة الامنية، شملت انزعاجاً إيرانياً شديداً مما يحدث. وقالت هذه المصادر إن الرسالة تضمنت ما يمكن وصفه بأنه "توبيخ" لهذه القوى "التي كان يتعين عليها أن تماطل وتراوغ بدلاً من الانصياع والتماهي". 

هذا الحال يدفع كثيرين إلى القول إنَّ أدوات حل هذا الملف ليست في العراق بل في إيران، وأن لا قيمة حقيقية لنزع سلاح هذه الفصائل ما دام النظام في ايران قوياً وقادراً على إعادة إنتاج هذه الفصائل أو غيرها مستقبلاً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث