ما زال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحلم بإلحاق هزيمة كلاسيكية بإيران، يتمنى لو أمكن الاحتفال بها على نحو مسرحي، يجري خلاله توقيع وثيقة استسلام إيرانية، بينما تتناقل المواقع والصحف ووكالات الصور، مشهد مجتبى خامنئي لحظة التوقيع صاغراً على صك الاستسلام أمام الرئيس الأميركي ترامب.. لكن كل حيل الدبلوماسية، وكل الصيغ المحكمة لغوياً وسياسياً لا يمكنها هكذا ببساطة إخراج هذا المشهد، ليعقبه إسدال الستار على أكثر فصول الصراع الدولي سخونة والتهاباً.
ترامب على المسرح الدولي، أمام مليارات البشر، يحتال لاصطناع مشهد استسلام إيراني، بينما الإيرانيون خلف الكواليس، يحتالون للتهرب بأقل كلفة من مشهد الاستسلام.
يحتاج ترامب (نفسياً بشدة) إلى صورة للتاريخ، تلحق الهوان بإيران، وتكسر كبرياءها الوطني لكنه لا يستطيع، فيتعلل بسعة الصدر، مخفياً قلة الحيلة خلف مشاهد استقواء ما عادت تنطلي على أحد، فلا هي قادرة على فرض حلول الحرب، ولا لديها ما يكفي من المصداقية لحشد تصورات السلام.
مستودع الشرور
في المسافة بين سعة الصدر وقلة الحيلة يتربص ترامب بالأزمة، وتحتشد احتمالات انفجار الحرب، بينما تتآكل مصداقية التهديدات المتواصلة، مشفوعة بمهل زمنية لم تعد تزعج أحداً، بعد أن باتت مادة للتسلية، أو فاصلاً -بلغة الفضائيات- لكسر برودة المشهد برمته.
تحدثت في المقال السابق عن حاجة الأزمة الى ما وصفته -بلغة الكشري في المطاعم المصرية- إلى "واحد كمالة"، أي إلى عنصر تأزيم إضافي يضعها عند حافة التفجير، بدرجة تسمح بالتأثير، ثم بالتغيير، وإلا وقع التفجير الذي تحدث عنه ترامب مهدداً سلطنة عمان، تلك الدولة الوادعة، الهادئة، المسالمة، المطلة لسوء حظها عند مضيق هرمز حيث مستودع الشرور، والحروب.
أحد دروس الأزمة في مضيق هرمز، هو أنها تتمدد زمنياً، وتتسع رقعتها جغرافياً، كلما ارتفعت تكلفة الحرب بسببها، فكلما ابتعدت ضفاف التسوية، باتت الوساطة مهمة شاقة، قد يلحق بالوسطاء جراءها، بعض الشرر، وينال منها بعض الحريق، وهو الأمر الذي تحاول باكستان تجنبه واتقاء شروره طول الوقت، بعد أن وضعتها وساطتها في الأزمة عند مركز لم تعرفه من قبل.
ثاني أهم دروس الأزمة في مضيق هرمز-وهي أزمة ثانوية ناتجة عن الأزمة الأصلية للحرب على إيران- هو أنه عند حافة الاتفاق على التسوية، فإن من لا يقدر على الحرب لا يقدر على السلام، إذ ينبغي للأطراف، إن شاءت التأثير والتغيير، أن تحتفظ ولو ببعض قدرة على شن الحرب، أو على منعها، وهذا ما أتاحه أحدث الكشوف الجغرافية منذ أحمد بن ماجد وبارثلميو دياز، بإعادة اكتشاف وظيفة ودور لمضيق هرمز لم يسبق لأحد اكتشافها، قبل أن تصرخ إيران وسط عوامل عجز وإحباط تحدق بها "وجدتها "تماماً كما صرخ أرشميدس قبل قرون. فعند اللحظة التي تآكلت فيها قدرات ايران على الردع والصمود، امتدت يد الأزمة لتلتقط من عمق المضيق، سلاح ردع إيراني جديد، أتاح لطهران قدرات حربية وتفاوضية ومالية، لا يحتاج توظيفها سوى الى بعض الخيال ممزوجاً ببعض الجسارة، وكلاهما -الخيال والجسارة- موجودان في جغرافيا فارس وفي ديموغرافيتها.
أجمل من اتفاق أوباما
عامل التأزيم الإضافي، الذي يبحث عنه ترامب بقصد تحفيز أو إجبار طهران على توقيع اتفاق (جميل) على حد وصفه، مازال باهظ الكلفة، فالرئيس الأميركي يريد اتفاقاً (أجمل) من ذلك الذي ابرمه أوباما في العام٢٠١٥، وألغاه ترامب خلال رئاسته الاولى في 2018 واصفاً إياه بأنه "الأسوأ في تاريخ أميركا" وبأنه "كارثة"، وهو -أي ترامب- فشل حتى الآن في الحصول على صيغة اتفاق أفضل من صيغة أوباما التي ألغاها ترامب ثم تفاجأ بعجزه عن تحقيق مثلها أو أفضل منها. يحتاج ترامب إذن إلى "إثنين كمالة" وليس واحداً، من أجل الوصول إلى صيغة اتفاق تتفوق على تلك التي أنجزها سلفه أوباما بدون أي كماله! لكن حاجة ترامب الى صورة إنتصار في المواجهة مع إيران، أكبر بوضوح من قابلية إيران للخضوع أو للإذعان.
وتحسباً لإخفاق مرجح في الحصول على اتفاق(جميل!) في الحرب على إيران، يحرص ترامب على توفير أزمة بديلة قد تعينه على الوفاء باستحقاقات الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ولهذا يعمد ترامب الى البحث عن "ثلاثة كمالة" فيهرب من مضيق هرمز، إلى الحديث عن حرب أخرى على الضفة المقابلة في كوبا، حيث يتمنى لو استطاع تغيير النظام في هافانا التي طالما استعصت على واشنطن في ذرى عقود من الحرب الباردة ما بين الخمسينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
ولهذا يحتفظ ترامب في دولابه الشخصي، بمسوغات حرب بديلة في كوبا، يتمنى أن تكون خاطفة على ذات نمط حربه في فنزويلا!! إذ يحلم ترامب بخلع الرئيس الكوبي الحالي دياز كانيل وتنصيب وزير خارجيته ذي الأصول الكوبية ماركو روبيو رئيساً لكوباً، وكأنما يريد ترامب، استدعاء لحظة تفوق ممكنة ضد كوبا، كلما تعثرت خطاه على مسرح الحرب ضد ايران.




