لم يكن اقتحام قوات الأمن لمقر "حزب الشعب الجمهوري" التركي في أنقرة، مجرد حادث أمني داخل مبنى حزبي، بل بدا مشهداً مكثفاً لأزمة أعمق تعيشها تركيا، وتتمثل في معارضة تحاول إعادة تنظيم صفوفها، وقضاء يُتّهم بالتدخل في الحياة الحزبية، وسلطة تراقب انقسام خصومها في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
بدأت أزمة حزب الشعب الجمهوري التركي بقرار قضائي صدر في 21 أيار/ مايو 2026، ألغى نتائج مؤتمر "حزب الشعب الجمهوري" لعام 2023، وهو المؤتمر الذي انتخب فيه أوزغور أوزيل رئيساً للحزب خلفاً لكمال كيليجدار أوغلو.
استندت المحكمة إلى مزاعم تتعلق بمخالفات إجرائية، لكنها عملياً أعادت كيليجدار أوغلو إلى واجهة الحزب، وأطاحت بقيادة صعدت على أساس وعد بالتجديد وإعادة بناء المعارضة بعد إخفاقات سابقة.
حزب أتاتورك في قلب العاصفة
تنبع أهمية ما جرى من مكانة "حزب الشعب الجمهوري" نفسه. فهو ليس حزباً عادياً في الحياة السياسية التركية، بل الحزب التاريخي الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، والقوة المعارضة الرئيسية في مواجهة حزب "العدالة والتنمية" بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان. لذلك، فإن الأزمة لا تخص قيادة حزبية فحسب، بل تمس موقع المعارضة المنظمة في النظام السياسي التركي.
فحين تلغي محكمة نتائج مؤتمر داخلي بعد سنوات من انعقاده، وحين تدخل شرطة مكافحة الشغب مقر الحزب لإخراج أنصار القيادة المطاح بها، يصبح السؤال أكبر من خلاف تنظيمي، ومن يملك حق تقرير قيادة المعارضة، القواعد الحزبية أم القضاء؟
شرعية القضاء وشرعية القواعد
بالنسبة لأنصار أوزيل، لم يكن الحكم مجرد إجراء قانوني، بل رأوا فيه انقلاباً قضائياً على إرادة قواعد الحزب. وقد تحصن مؤيدوه داخل المقر في أنقرة، رافضين الاعتراف بعودة كيليجدار أوغلو، قبل أن تدخل الشرطة في 24 أيار/ مايو مستخدمة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لإنهاء المواجهة. لكن عودة كيليجدار أوغلو بقرار قضائي، لا تعني بالضرورة امتلاكه شرعية سياسية داخل الحزب. فجزء واسع من القاعدة التي دعمت أوزيل، رأت فيه فرصة لتجديد الخطاب والخروج من إرث هزيمة المعارضة في الانتخابات الرئاسية في العام 2023.
أما كيليجدار أوغلو، فعلى الرغم من خبرته الطويلة، يبقى بالنسبة لكثيرين رمزاً لمرحلة لم تستطع إسقاط هيمنة أردوغان.
المعارضة بين التجديد والاحتواء
تأتي الأزمة في توقيت بالغ الحساسية. ففي الانتخابات البلدية لعام 2024، حقق "حزب الشعب الجمهوري" تقدماً كبيراً، وظهر كقوة قادرة على تحدي حزب "العدالة والتنمية" في المدن الكبرى. وتحت قيادة أوزيل، حاول الحزب تحويل ذلك الانتصار البلدي إلى زخم وطني، مستفيداً من صعود شخصيات بارزة مثل إكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول وأحد أبرز الوجوه المعارضة القادرة على منافسة أردوغان مستقبلاً.
من هنا، فإن ضرب تماسك الحزب لا يبدو مسألة إدارية معزولة، بل تطوراً يمسّ قدرة المعارضة على تحويل حضورها البلدي إلى مشروع سياسي بديل. وإذا تعمق الانقسام داخل الحزب، فقد تخسر المعارضة أهم أدواتها التنظيمية قبل أي استحقاق انتخابي مقبل.
الاقتصاد والخارج أمام اختبار الثقة
لم تبق الأزمة داخل حدود السياسة. فقد قرأت الأسواق التركية الحكم القضائي بوصفه إشارة إلى احتمال دخول البلاد مرحلة جديدة من عدم اليقين، في وقت تواجه فيه تركيا تضخماً مرتفعاً وضغوطاً على الليرة وحاجة مستمرة إلى جذب الاستثمارات. كما ستراقب أوروبا والولايات المتحدة هذه التطورات باعتبارها مؤشراً إضافياً على وضع الديمقراطية وسيادة القانون في تركيا، وهي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي ولاعب أساسي في البحر الأسود وسوريا وشرق المتوسط وجنوب القوقاز. فعدم الاستقرار الداخلي في دولة بهذا الوزن لا يبقى شأناً محلياً بالكامل، بل ينعكس على صورتها وموقعها الإقليمي والدولي.
تطرح أزمة "حزب الشعب الجمهوري" سؤالاً يتجاوز مصير أوزيل وكيليجدار أوغلو، هل تبقى المنافسة السياسية في تركيا محكومة بصناديق الاقتراع والمؤتمرات الحزبية، أم تنتقل أكثر فأكثر إلى المحاكم ومراكز الشرطة؟
لهذا السبب، فإن ما جرى في مقر "حزب الشعب الجمهوري"، ليس أزمة حزب واحد، بل اختبار جديد لمستقبل الديمقراطية التركية كلها.




