ترامب في مأزق

رأيطهران - مجيد مراديالأحد 2026/05/31
Image-1780174779.Jpg
(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تشير مصادر متعددة من طرفي الصراع الرئيسيين في الحرب، إيران وأمیركا، إلى أن مسودة مذكرة التفاهم أصبحت جاهزة تقريباً، وحتی التوصل إلى اتفاق، بات وشيكاً. 

لكن اجتماع ترامب الذي استمر ساعتين في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، انتهى دون أن يعلن ترامب أي نتيجة بشأن إيران. وقبل عقد هذا الاجتماع، كان ترامب قد نشر نصاً مساء الجمعة على منصة "تروث سوشال" أعلن فيه أنه اعتباراً من هذه اللحظة، تم رفع الحصار البحري، وأن السفن العالقة يمكنها العودة إلى بلدانها، وأن بلاده ستقوم، إلى جانب الصين وبمشاركة إيران، بإخراج 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% من تحت الأرض. 

لكن حلم ترامب هذا، لم تؤكده ایران. لقد اعتاد ترامب الحديث عن انجازات لم يحققها، وتصوير نفسه على أنه المنتصر في الحرب، لكن سرديته لتلك الانجازات ليست مقنعة حتى بالنسبة إلى نفسه، وهو يحاول من خلال تكرار وتنويع إنجازاته في وسائل الإعلام، تحقيق ما لم يحققه على أرض الواقع.

 

أين تكمن مشكلة ترامب؟

مشكلة ترامب هي أنه على الرغم من أنه وجد طريقة للخروج من الحرب العبثية مع إيران وإنهاء أزمة الطاقة العالمية، ذلكَ بمنح امتيازات كبيرة لإيران، الدولة التي تعرضت لاعتداء من دون أي سبب واضح أو معقول، إلا أنه لا يريد التوقيع على مذكرة تفاهم أو اتفاقية تكون أضعف من الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما مع إيران. ولهذا السبب يسعى للحصول على امتيازات من إيران يمكنه أن يبيعها للرأي العام داخل الولايات المتحدة.

يعلم ترامب أن فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً بالكامل حتى أمام السفن الحربية قبل الحرب، والاضطراب في حركة ناقلات النفط عبره خلال الأشهر الثلاثة الماضية، قد سبّب أزمة للعالم، ليس إنجازاً يمكن تقديمه.

لم يكن ترامب يسعى فقط إلى تغيير نظام الجمهورية الإسلامية، بل لم يستبعد ضمنياً تغيير خريطة إيران أيضاً عند نهاية الحرب. واليوم، لم يتغير النظام ولا خريطة إيران، ولم ترفع إيران الراية البيضاء ولم تستسلم. ولم تتحقق أي من وعود ترامب. فلم تُدمر إيران في ثلاثة أيام، ولا بعد أسبوع من الحصار البحري انفجرت آبارها النفطية. 

 

التزام إيران بعدم صنع سلاح نووي

إن التزام إيران بعدم حيازة سلاح نووي، الذي يحاول ترامب تسليط الضوء عليه وتحويله إلى انتصار لنفسه من خلال إعادة نشر تصريحات الرئيس بزشكيان، ليس أمراً جديداً أيضاً. فقد أعلنت إيران دائماً أنها لا تنوي صنع سلاح نووي، إنما بعد الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل واغتيال قادة إيران، ألمحت سلطات ايرانية الى احتمال تحرك البلاد نحو صناعة سلاح نووي. في حين أنه لطالما كان المرشد السابق علي خامنئي على قيد الحياة، لم يكن أحد يتحدث عن ضرورة امتلاك سلاح نووي احتراماً لفتواه "بتحريم صنع السلاح النووي"، بل كانت إيران مستعدة للتفاوض بشأن يورانيومها المخصب. 

ولكن بعد الحرب، تنظر إيران إلى 410 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% على أنها تشكل قوة رادعة، والاحتفاظ به داخل إيران يقلل من احتمالية استئناف الحرب.

 

نظام هرمز.. كابوس ترامب

كتب السفير الأميركي الأسبق لدى روسيا، مايكل ماكفول، في منصة إكس: "دعونا لا ننسى أن فتح مضيق هرمز ليس نصراً، لأن هذا المضيق كان مفتوحاً قبل الحرب".

لكن المشكلة هي أنه، خلافا لتأكيدات ترامب المتكررة على عودة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل الحرب، لا يُرى على الجانب الإيراني أي استعداد لإعادة الوضع إلى ما قبل الحرب، بل إن إيران، سواء من خلال السلطة التشريعية أو عبر إشراك سلطنة عمان شريكها في مضيق هرمز، تحاول فرض نظام قانوني جديد في هذا المضيق، بحيث يضمن استمرار سيطرة إيران عليه، كما يحقق عوائد مالية لكل من إيران وعمان. وقد أثارت مواءمة عمان مع إيران في مجال فرض السيطرة على مضيق هرمز غضب المسؤولين الأمیرکيين، الذين هددوا عمان بإجراءات انتقامية مثل العقوبات. لذلك، حتى فتح هرمز، لا يعني عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب.

لكن أهمية مواءمة عمان مع إيران في إدارة مضيق هرمز، تكمن في أنها تتحدى الهيمنة الأمیرکية، وهي علامة على أن إيران بصمودها أمام أمیركا تمكنت من منح الآخرين الجرأة للوقوف في وجه المطالب الأمیركية. إذا تمكنت إيران، بمواءمة عمان، من فرض سيطرتها الدائمة على مضيق هرمز على القانون الدولي، فسيتم تسجيل أكبر هزيمة للولایات المتحدة في هذه الحرب.

 

الأصول الإيرانية المجمدة

بالنسبة لإيران فإن الافراج عن أصولها المجمدة له أهمية خاصة مثل رفع الحصار البحري. وتُظهر زيارة رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف التي استغرقت يومين إلى الدوحة الأسبوع الماضي، برفقة وزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، أهمية هذا الموضوع.

إيران، التي فقدت الآن القناة المالية لدولة الإمارات العربية المتحدة، تعاني من أزمة مالية حادة. لكن ترامب يتصرف بحذر شديد تجاه تحرير الأموال الإيرانية المجمدة، لأنه هو نفسه كان يلوم حكومة أوباما لإرسالها حوالي ملياري دولار نقداً من أموال إيران إليها، والآن من الصعب عليه أن يفعل الشيء الذي كان يوبخ ويستهزئ بأوباما لفعلته. لو لم يوبخ ترامب أوباما بهذا القدر لتحرير الأصول الإيرانية المجمدة، ربما لم يكن اليوم عالقاً في مثل هذا المأزق. لأن هذه الأموال ملك للشعب الإيراني، وتجميدها من دون قرار من السلطات القانونية الدولية هو انتهاك للقانون الدولي.

 

هل استئناف الحرب هو الحل؟

إنَّ مضایقات ترامب وإحباطاته ثقيلة جداً لدرجة أنها قد تقوده إلى استنتاج أن استئناف الحرب للخروج من مأزقه الحالي قد يكون أقل تكلفة. لكن حتى طريق الحرب شبه مسدود أمامه، لأنه سیقود منطقة الخليج مرة أخرى إلى الحرب، وسيؤدي أيضاً إلى إغلاق مضيق باب المندب من قبل الحوثيين في اليمن.

ترامب الذي يتحدث دائماً وبحق عن القوة الفريدة للجيش الأمیرکي، لم يتصور أبداً أنه في غياب القوات الجوية والبحرية الإيرانية، فإن جغرافية إيران ستنقذها أمام ذلك الجيش، وتُعيق أكبر قوتين نوويتين في العالم.

أزمة الإنجازات أوقعت ترامب في مستنقع. لا القصف العنيف للبنى التحتية الإيرانية واغتيال القادة العسكريين والسياسيين، ولا الحصار البحري لإيران، ولا ما يصفه ترامب بتدمير القوات الجوية والبحرية الإيرانية، لا شيء من ذلك يمكنه أن يقدمه كفاتح لهذه الحرب. لقد خسر هذه الحرب بوضوح، ودفع ثمن اتباع إرادة نتنياهو الذي قاده إلى الحرب مع إيران، بفقدان مصداقية الولايات المتحدة. والآن، حتى لو تمكن ترامب من تحقيق وعيده وتدمير إيران أيضاً، فلن يُعتبر منتصراً في الرأي العام الأمیركي. إنَّ الرئيس ترامب في مأزق حقيقي لا يشاركه أحد في الخروج منه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث