سوريا المريضة بالطائفية

مالك ونوسالسبت 2026/05/30
Image-1767172331
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

إذا كان من سمةٍ واضحةٍ مَيَّزت الفترة التي تلت سقوط نظام الأسد في سوريا، فهي انفجار الحسّ الطائفي لدى شريحة واسعة من السوريين، واندلاع الحروب الطائفية على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تكللت جميعاً بمجازرٍ طائفية في غير منطقة من البلاد، وجعلت الاحتمالات مفتوحة دائماً على مجازر إضافية قد تحصل في أي لحظة، مع استمرار عمليات القتل الفردي على الهوية والخطف في مناطق عدة. وإن كان خطاب الكراهية وحملات التحريض الطائفي يقويان ثم يخبوان بين الحين والآخر، إلا أن الأمر الأكثر خطورة، على حاضر البلاد ومستقبلها، هو أن هذا الخطاب بات يأخذ شكلاً مؤسسياً في الدوائر الدينية، ويتبين واضحاً في التقسيمات الإدارية وغيرها، ليتجذر في النهاية في النفوس، من دون أن يَتنطَّع أحدٌ لإهماده.

 

ومن الأشكال الجديدة لهذا الخطاب، صدور كلام من خطباء مساجد يؤكدون فيه تكريس الخلافات بين أبناء البلاد، ويحضون مستمعيهم على مقاطعة أبناء الطوائف الأخرى، لأنهم "ليسوا منا ولسنا منهم"، على حد قول أحد هؤلاء الخطباء. ووصل الأمر إلى ظهور فتاوٍ، كان آخرها، قبل أيام، فتوى تزيد الانقسام المجتمعي، أصدرها أحد الشيوخ، ونشرها على صفحته على "فايسبوك"، حرَّم فيها زواج أهل السنة في سوريا من أبناء الطوائف الأخرى. ولم يكتفِ بذلك، بل أضاف أن العقد بين الزوجين وقتها يعد باطلاً شرعاً، من دون أن يستند على أي قاعدة فقهية معروفة وواضحة تبرر كلامه. وفي حين ينتظر من رجال الدين هؤلاء أن يكون خطابهم توحيدي وتوفيقي، إلا أنهم يتناسون مهامهم باعتبارهم رجال دين، ودورهم في هداية الناس إلى الطريق القويم، والحض على التعارف والتآلف بين الشعوب وأبناء البلد الواحد. غير أن الخطورة تكمن في أن تتكرس هذه الظاهرة فكراً وأيديولوجيا، يعتنقها الكثيرون ممن يسلمون أمر تشكيل وعيهم المتطرف لرجال الدين، ويدفعون بهم إلى النزاعات الطائفية، إذا لم تظهر قوانين وإجراءات تُجرِّم أصحابها أو تفرمل خطابهم، لكيلا يُصنِّفوا التغاضي عن التحريض الذي يقومون به، قبولاً من السلطة لممارساتهم وتشجيعاً عليها.

 

ويثير ظهور تلك الحملات، والتفاعل الشعبي والنخبوي الواسع معها، الاستغراب وكذلك التساؤل والتشكيك في مقاصدها، خصوصاً أن البلاد تواجه تحدياتٍ بحجم كبير، وتنتظرها استحقاقات داخلية وخارجية معقدة وكثيرة، أين منها خطاب التحريض وحملات الكراهية هذه. وهي مسائل تتطلب أن تُجنِّد لها البلاد طاقات جميع أبنائها وجهدهم، بسبب خطورة عدم التعامل معها لمعالجتها ووقفها، بأسرع ما يمكن من الوقت، نظراً لما يجري في الجغرافيا التي تحيط بسوريا من حروب وتحالفات وتغيرات سياسية واقتصادية ولوجستية، تقتضي من السلطة وأبناء البلاد الجاهزية التامة لمواجهة ما يمكن أن تتمخض عنه من تحديات. فالضعيف في هذه الأوقات لن يكون له مكان في ما يحضر للمنطقة، وإن كان ثمة مكان، فهو مكان قَصيٌّ، يتم التواصل معه عند الحاجة وحسبْ. أما الطائفية والحال هذه، فهي مرضٌ يُسقم أي بلاد تبتلي به ويجمد تطورها، ولا يجعل لها قيامة إلا بعد مضي السنين الطويلة، حين تشفى منه، وحين يكون الجميع قد تجاوزوها أشواطاً في التطور الاقتصادي والتقدم التكنولوجي والصناعي والاجتماعي وغيره.

 

لقد بتنا في سوريا نشهد ما يمكننا تسميته بجدارة "مواسم طائفية"، من تلك التي تحَدَّث عنها، الفنان الراحل زياد الرحباني، في مسرحيته "فيلم أميركي طويل"، مواسم تغيب تارة، لتعود أقوى مما كانت عليه، تارة أخرى. آخر موسم من تلك المواسم، هو الحرب الطائفية الشرسة التي شبت على وسائل التواصل الاجتماعي، على خلفية اختطاف الطالبة بتول علوش، التي تنحدر من الطائفة العلوية، في اللاذقية. وقد تجند لتلك الحرب من يُعرفون بـ"المؤثرين"، ومن في حكمهم من كتاب وصحافيين، ومعلقين ومرددين. وخرج هؤلاء بنداءات تحرض على إبادة العلويين، لسبب بسيط هو أن والدي الضحية، نكرا أن تكون ابنتهما قد هجرت منزلها بإرادتها، وأصرا على قولهم إنها قد خطفت، مطالبين بكشف الحقيقة وإعادتها. وقد تناسى هؤلاء أن من ممارسات النظام السابق من نكران جرائم الخطف والاغتصاب والتغييب القسري الذي طال نساء الثورة، لم يمنع أن تتكشف فصولها بعد سقوطه.

 

ويجري ذلك كله، في الوقت الذي يواظب فيه إعلام السلطة على الاستمرار بإبراز هويته الطائفية، عبر الخطاب، وعبر تصنيف ضيوف برامجه الحوارية وفقاً لانتماءاتهم الطائفية. وينعكس هذا في الشارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، بالاستمرار في تصنيف الناس على أسس طائفية، وكذلك تصنيف المناطق وفق هذا الشكل. ويتجند لإثارة الخلافات الطائفية، كل حين، جيش من المؤثرين الطائفيين المتفلتين من أي رادع وطني أو قانوني أو أخلاقي أو ديني، يردد، ربما مئات آلاف المتابعين لهم والمتفاعلين مع خطابهم التحريضي، كلامهم الذي سرعان ما يجد طريقه إلى نفوس السوريين وفكرهم، وينفذونه ممارسة في التمييز في الشارع والهجمات الطائفية على أحياء وقرى أبناء الطوائف الأخرى. وللمفارقة، من هؤلاء المؤثرين عدد كبير رعت الدولة نشاطهم، واستضافتهم في فعالياتها ونظمت لهم مؤتمرات لإحداث نوع من التقارب بينهم، وترديد خطاب السلطة والترويج له.

 

يزور رموز السلطة السورية ورئيسها، كما جميع رؤساء دول العالم الثالث، والتي ينكر عدد ليس بالقليل منها، قيم حقوق المواطنة والحريات العامة والفردية، العواصم الغربية، ويلتقون قادتها بشكل فردي أو خلال مؤتمرات جامعة. ويسمعون من هؤلاء القادة كلاماً حول التمثيل البرلماني لجميع أبناء المجتمع، والانتخابات التي يحق للجميع الترشح فيها للوصول إلى المناصب، أو الاقتراع لإيصال من يمثلهم. ويسمعون حديثهم عن قيم العدالة والديمقراطية والتشاركية والحرية الفردية وحقوق الانسان والعلمانية والحريات الدينية، تلك القيم التي كانت ضمانة التدرج والوصول إلى شغل أرفع المناصب. غير أنهم حين يعودون إلى بلدانهم، ينكرون تلك القيم على شعوبهم، ويروجون للنَّزعات الطائفية والمناطقية التي تضرب نسيج المجتمع، وتنعكس بالضرورة وبشكل كبير، سلباً على مهمات التطور والتعليم والتنمية فتشل هذه المجتمعات، وتبقيها بالتالي تابعة للدول المتطورة، في مسكنها وملبسها وغذائها، والسلاح الذي يحتاجه قادتها لحماية أنفسهم من غضب شعوبهم والبقاء في الحكم، ليس أكثر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث