تراجع النفوذ الإسرائيلي داخل أميركا.. أسوأ وضع استراتيجي

حلمي موسىالخميس 2026/05/28
Image-1767160588
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تواجه إسرائيل حالياً إلى جانب مشكلتها الدائمة مع العرب مشكلة ذاتية هائلة تتمثل في حقيقة أنها على وشك التحول إلى مركز الثقل الأساسي لليهود في العالم، باحتشاد حوالي نصف يهود العالم فيها. وعدا عن المشكلة المتمثلة في الاختلافات بين المذاهب اليهودية الأرثوذكسية الغالبة في إسرائيل والإصلاحية والمحافظة الغالبة مثلاً في أميركا، هناك اختلاف الأجندات بين إسرائيل ويهود الشتات. وأظهرت الحرب حدة هذا الجانب من الخلافات، خصوصاً في أميركا، في تظاهرات عدد من المنظمات اليهودية تحت شعار "ليس باسمنا"، تنصلاً مما ترتكبه إسرائيل من جرائم. وحتى الآن، لا توجد آلية للحوار بين هذه الجهات تسهّل اتخاذ قرارات مشتركة ما قد يفضي لانقسام إلى مجموعتين على الأقل متنافرتين في قيمهما وتجاربهما.

وتبدو المفاوضات الأميركية الإيرانية كأنها تقترب من اتفاق لا ينال رضىً من جانب الحكومة الإسرائيلية التي بدأ بعض أطرافها ينحون باللائمة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته، ويطلقون صافرات إنذار من خطر يقترب. ويلاحظ معلقون إسرائيليون أن الضغط الشعبي في أميركا بات يؤثر سلباً على المكانة الاستراتيجية لإسرائيل على المدى البعيد بعد أن بدأت العلاقات تسير في اتجاه سلبي، ولم تعد الدولة العبرية تتمتع بدعم كامل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ولعبت دوراً في ذلك صورة إسرائيل بأنها "الذيل الذي يهز الكلب"، وأن نتنياهو هو من جرّ ترامب إلى حرب تخسر فيها أميركا.

 

خسارة أميركا

وتزداد الصورة إشكالية إذا نُظر إليها من زاوية اللوبي الصهيوني (إيباك)، وتراجع مكانته لدى الكثيرين من المتنافسين الديمقراطيين والجمهوريين في الانتخابات النصفية القريبة. فإسرائيل، كما تبدو لكثيرين في العالم، باتت تدير ظهرها رسمياً وبشكل غير رسمي حتى لحلفائها الأقرب. ولم تعد مقنعة الأحاديث الشائعة عن تحالف المصالح القائم على مجموعة من القيم التي يرى العالم يومياً أن إسرائيل تقضمها قولاً وفعلاً بعد أن بدت وحشية ومثيرة للحروب ومحتقرة لمبادئ القانون الدولي ومتعمدة الإيذاء للأبرياء.

وبحسب التقارير في الصحافة العبرية، فإن "إيباك" تعيش حاليا أزمة وصراع هائلين وتخوض حربها الشرسة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي. إذ لم تعد إسرائيل تحظى بدعمٍ شامل في مجلس النواب، ويرفض الكثير من المرشحين الديمقراطيين وبعض الجمهوريين قبول تبرعاتٍ من "أيباك". وتشنّ "إيباك" هذه الأيام حرباً شاملة لإقصاء المتمردين من كلا الحزبين عبر إنفاق مبالغ طائلة، في ما صار يُعرف بأغلى معارك الانتخابات التمهيدية في التاريخ.

ففي عام 2025، ولأول مرة، تجاوز الإنفاق المُعلن على الضغط السياسي في واشنطن حاجز الـ5 مليارات دولار سنوياً. ووفقاً لبيانات منظمة "أوبن سيكرتس"، التي ترصد دور الأموال في السياسة الأميركية، سجل الربع الأول من عام 2026 رقماً قياسياً تاريخياً في الإنفاق بلغ 1.4 مليار دولار. ورغم كثرة الجهات التي تنفق أموالاً للتأثير في السياسة وبينها عمالقة التكنولوجيا وشركات الأدوية والسلاح والدخان، لكن قليلاً من هؤلاء نال النفوذ الذي تمتلكه "إيباك". وقد تراكم هذ النفوذ على مدى عقود من العلاقات الوثيقة بين الإدارات الأميركية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مستفيدة من تحالفات علنية وسرية بين جماعات يهودية لا تشكل سوى 2.4% من السكان وجماعات إعلامية واقتصادية ودينية مسيحية.

وطوال عقود حرصت "إيباك" على إبقاء قادة الحزبين على مقربة منها ما سمح لها بالتنقل بين خيوط السياسية الأميركية بشكل مذهل. لكن تغير كل هذا عندما بدأ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في كسر الإجماع الحزبي الأميركي حول إسرائيل في الولايات المتحدة بتحالفه العلني مع اليمين الأميركي. وجاءت الحرب المديدة على غزة ولبنان وسوريا وإيران، لتفتح العيون على طبيعة الدور الذي يقوده نتنياهو وسموتريتش وبن غفير.

 

تغير مزاج الناخبين

وللمرة الأولى في تاريخ الانتخابات الأميركية، يحاول المرشحون التنافس لجذب انتباه الناخبين ليس بعرض قضايا الضرائب والرعاية الصحية أو الاجتماعية والهجرة وإنما على إثارة غضب إسرائيل. وقد أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً، أن ثلث الجمهوريين فقط (33%) ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و44 عاماً يؤيدون استمرار المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل. معظم هؤلاء الشباب يؤيدون ترامب، لكنهم لا يوافقون على سياسته الخارجية. أكثر من نصفهم (54%) يعتقدون أن ترامب "يدعم إسرائيل بشكل مفرط". أما بين الديمقراطيين من نفس الفئة العمرية، فقد أجاب 56% منهم بأن الحزب الديمقراطي يدعم إسرائيل بشكل مفرط.

كما بين الاستطلاع أن 57% من الديمقراطيين يدعمون الفلسطينيين مقابل 17% فقط يدعمون إسرائيل. أما بين الجمهوريين، فالفارق كبير لمصلحة إسرائيل، بنسبة 66% مقابل 9%. وبين الناخبين المستقلين، تبلغ النسبة 44% لمصلحة الفلسطينيين مقابل 29% لمصلحة إسرائيل. ووفقاً للاستطلاع، يعارض ما يقرب من 75% من الديمقراطيين المساعدات العسكرية لإسرائيل، ارتفاعاً من 45% قبل ثلاث سنوات فقط. 

وبحسب تقرير نشرته "يديعوت أحرونوت"، فإن الانزياح الكبير لكبار الديمقراطيين عن "أيباك" في السنوات الأخيرة لم يأتِ من فراغ، بل يعكس التغيير الجذري في العلاقة مع إسرائيل بين الناخبين الديمقراطيين والمستقلين. إذ خلص محللون ديمقراطيون إلى أن نهج إدارة الرئيس السابق جو بايدن تجاه الحرب في غزة كلّف كامالا هاريس مئات الآلاف من الأصوات الحاسمة في انتخابات 2024، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين الديمقراطيين ما زالوا يُحمّلون إسرائيل مسؤولية الحرب مع إيران.

وهكذا في أميركا، مثل معظم الدول الأوروبية، تراجع مستوى الدعم لإسرائيل داخل الحزبين الكبيرين ووصل إلى أدنى مستوياته. وثمة من ينتظرون الأسوأ مع بدء المفاوضات قريباً بشأن اتفاقية المساعدات العسكرية حيث توجد تحفظات واضحة من جانب ترامب ومحيطه عن استمرار المساعدات بالحجم الحالي. ومعروف أن إسرائيل تحصل حالياً بموجب اتفاق مع إدارة باراك أوباما، على مساعدات بقيمة 3.8 مليارات دولار سنوياً لمدة عشرة أعوام، وينتهي مفعول الاتفاق بعد عامين.

 

تحذير من عواقب

ويرى إسرائيليون كثر أن الكارثة تكمن في واقع أن نتنياهو قاد ترامب لإلغاء اتفاقية أوباما النووية مع إيران، وهذا ما قاد إلى حرب متسرعة، وهو ما أدى إلى فقدان إسرائيل النفوذ الوحيد الذي كان لها على إيران وهي الخطوة الأميركية. وكتب عاموس هارئيل في "هآرتس": "تبدو العلاقة بين ترامب ونتنياهو كأنها لم تعُد وثيقة، مثلما كانت عليه في السابق؛ لقد قال ترامب في منتصف الأسبوع الماضي إن نتنياهو سيفعل كل ما أقوله له فيما يتعلق بإيران. وفي الخلفية، هناك أخر لقاء بينهما في 11 شباط/ فبراير، حين سافر نتنياهو إلى البيت الأبيض وأقنع ترامب بأن هجوماً مشتركاً على إيران ربما يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، بمساعدة ميليشيات كردية". وفي نظر هارئيل، فإن ترامب لم ينسَ ولم يسامح ما قاد إلى قرار أميركي بإبعاد إسرائيل عن المحادثات مع إيران وتقليص تأثيرها، مشيراً إلى جملة من التقارير اتي تشهد على تراجع التأثير الإسرائيلي في حسابات ترامب.

كما أن كبير المعلقين السياسيين في "يديعوت"، ناحوم بارنيع، كتب تحت عنوان " بقدر ما كان الزئير مدوياً، كانت الهزيمة فادحة"، أن خطة نتنياهو للحرب على إيران التي عرضها أمام ترامب "كانت خطأً متهوراً، ومجرد أوهام. من دون خطة بديلة، نغرق في حرب أبدية على ثلاث، وربما أربع جبهات، نسيطر على أراضٍ ليست لنا، بجنود لا نملكهم، في حرب دموية ضد أعداء لا نعرف كيف نردعهم، ودون توفير أمن حقيقي لمواطنينا. إسرائيل خاضعة للسلطة المطلقة لرئيس أميركي متقلب، أجوف ويائس. ترامب يعرف من يعمل لمصلحته. بيبي رجل جيد. سيفعل ما أقوله له".

وفي "يديعوت" أيضاً كتب بن درور يميني تحت عنوان "بين الهزيمة والإذلال"، أنه إذا لم يتمكن نتنياهو من التحرر من حظر الحرب على حزب الله، فلن يستطيع إقناع ترامب بأي شيء. قد تدخل إسرائيل أسوأ وضع استراتيجي في تاريخها: ثلاث جبهات نشطة وأيدٍ مكبلة. 

وأضاف أن "المسألة هي أن ما يبدو فشلاً أميركياً هو أيضاً كارثة إسرائيلية. النظام الإيراني أكثر تطرفاً وقوةً بكثير، حتى وإن كان الشعب الإيراني يعاني ويتألم....وهذا أمر خطير، لأنه إذا لم يتمكن نتنياهو من التحرر من الحظر المفروض على شن حرب على حزب الله - وهي قضية لن تُلحق أي ضرر بالاتفاق مع إيران - فلن يتمكن من إقناعه بأي شيء. وإذا تمكنت إيران من التأثير على ترامب، حتى على الجبهة اللبنانية، فماذا يتبقى من أسطورة النفوذ الإسرائيلي؟ ربما لا شيء". 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث