الجيش الأردني أمام امتحان الحروب الهجينة

شفيق طاهرالأربعاء 2026/05/27
الجيش الأردني Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يبدو قرار الأردن إعادة هيكلة قواته المسلحة مجرد برنامج لتحديث المعدات أو تبديل العقيدة التدريبية، بل محاولة لإعادة تعريف وظيفة الجيش. ففي كانون الثاني/ يناير 2026، وجّه الملك عبد الله الثاني، رئيس هيئة الأركان المشتركة إلى إعداد استراتيجية وخريطة طريق لتحقيق تحول هيكلي في القوات المسلحة خلال ثلاث سنوات، بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات الحديثة والتطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة. 

ويعني ذلك أن عمّان لم تعد تفكر في الجيش بوصفه قوة تقليدية متمركزة حول الدبابات والمدرعات الثقيلة فقط، بل كجهاز دفاعي مرن، قادر على التعامل مع تهديدات تأتي من الحدود، والسماء، والفضاء السيبراني، وشبكات التهريب العابرة للدول. هذه الخلاصة تنسجم مع النص الأصلي الذي يرى أن الأردن يتجه نحو جيش أخف، أكثر كفاءة، وأوسع اعتماداً على التكنولوجيا، من دون أن يتجاهل القيود المالية والسياسية والاجتماعية التي قد تعرقل هذا المسار. 

 

حدود سوريا ومجال جوي مكشوف

تغير مفهوم الخطر بالنسبة إلى الأردن منذ اضطرابات ما بعد العام 2011. فالجبهة السورية لم تعد حدوداً تقليدية بين دولتين، بل فضاءً مفتوحاً أمام جماعات مسلحة، وشبكات تهريب مخدرات، وممرات محتملة للسلاح والمسيّرات. وتواجه عمّان منذ سنوات نشاطاً متزايداً لتهريب الكبتاغون والسلاح عبر الحدود الشمالية، وهذا ما جعل أمن الحدود أولوية عسكرية وأمنية داخلية في آن واحد. الأخطر أن هذه الشبكات لم تعد تعمل بأدوات بدائية فقط، بل تستفيد من الطائرات المسيّرة، والمراقبة عن بعد، وغطاء مجموعات مسلحة تتحرك في مناطق رخوة أمنياً.

إلى جانب ذلك، يواجه الأردن تحدياً أكثر تعقيداً في مجاله الجوي. فالحرب الإيرانية الإسرائيلية جعلت سماء المملكة عرضة لاختراقات مرتبطة بمسيّرات أو صواريخ عابرة، وهو الأمر الذي دفع عمّان إلى التأكيد مراراً أنها لن تسمح بتحويل أراضيها وأجوائها إلى ساحة مواجهة بين أطراف إقليمية. 

ومن الجدير ذكره أن المواجهات في الفضاء الأردني أظتهر ضعف الدفاعات الجوية القديمة كأحد أبرز دوافع التحديث، فالقوات الأردنية تحتاج إلى منظومات إنذار واعتراض قادرة على مواجهة المسيّرات والصواريخ الجوالة، لا مجرد حماية رمزية ضد تهديدات كلاسيكية.

 

إسرائيل.. من شريك أمني إلى مصدر قلق

بالرغم من أن معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية شكلت لعقود إطاراً لتنسيق أمني بارد لكنه مستقر، فإن مرحلة ما بعد حرب غزة دفعت عمّان إلى إعادة تقييم العلاقة مع تل أبيب. فالمخاوف الأردنية من ضم الضفة الغربية، أو تهجير الفلسطينيين نحو الأردن، مسألة تمس الأمن الوطني الأردني مباشرة. كما أن إنشاء الجيش الإسرائيلي فرقة جديدة للدفاع عن حدوده الشرقية مع الأردن في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، عكس تراجعاً واضحاً في الثقة المتبادلة، حتى لو جرى تقديمه إسرائيلياً باعتباره إجراءً أمنياً وقائياً.

هذا التحول يضع الأردن أمام معادلة دقيقة، فهو لا يريد مواجهة مع إسرائيل، ولا يستطيع تجاهل أن سياسات اليمين الإسرائيلي تضغط على أمنه الديموغرافي والسياسي والجغرافي. لذلك، فإن تحديث الجيش يهدف إلى رفع القدرة على الردع والمراقبة والسيطرة، خصوصاً في بيئة تتداخل فيها تهديدات الدولة مع تهديدات الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.

 

الشراكات الغربية وفاتورة الإصلاح

لا يقف الأردن أمام خيار تحديث عسكري عادي، بل أمام اختبار استراتيجي يمس معنى الدولة وحدودها ودورها في إقليم يتفكك من حولها. فالمملكة التي اعتادت إدارة المخاطر بالتوازن والتهدئة تجد نفسها اليوم محاطة بحدود قلقة، وخصوم غير تقليديين، وتحولات إسرائيلية وإيرانية تضغط على أمنها المباشر. 

لذلك، فإن نجاح إعادة هيكلة الجيش لن يقاس بعدد المنظومات التي ستشترى، ولا بحجم الشعارات عن الذكاء الاصطناعي والمسيّرات، بل بقدرة عمّان على بناء قوة ردع ذكية، أصغر حجماً، أسرع حركة، أعمق استخبارياً وأقدر على حماية الحدود والمجال الجوي من دون استنزاف الاقتصاد أو هزّ التوازن الاجتماعي الداخلي. وإذا أحسن الأردن إدارة هذا التحول، فقد يتحول جيشه إلى نموذج لقوة عربية متوسطة تعرف حدود إمكاناتها وتستثمرها بذكاء. أما إذا بقي التحديث أسير التمويل المحدود والبيروقراطية والخشية من كلفة التغيير، فإن الفجوة بين طبيعة التهديدات وقدرة الدولة على مواجهتها ستتسع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث