هي الوزيرة الرابعة التي تغادر حكومة الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الثانية. تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، التي أعلنت استقالتها من منصبها الأسبوع الماضي ـــ بحجّة الوقوف إلى جانب زوجها المريض -، فيما تؤكد الوقائع أن الأسباب الحقيقية لهذا القرار -التي لم تفصح عنها - أبعد من مسألة عائلية.
فغابارد أُبعدت إلى حدّ كبير عن الدائرة الضيقة التي تدير ملفات الأمن القومي في البيت الأبيض، على الرغم من محاولاتها دعم أولويات ترامب السياسية، كما أنها أظهرت تبايناً واضحاً معهم في طريقة تعاطيهم وإدارتهم للعديد من القضايا والأزمات والأحداث المفصلية، وفي مقدمتها الحرب على إيران.
ترامب وإبعاد غابارد مع وقف التنفيذ
مع أن ترامب أشاد، في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي، بغابارد، قائلاً إنها "قامت بعمل رائع، وسنفتقدها"، لكن صحيفة "واشنطن بوست" نقلت عن مصدر مطلع أن تشخيص إصابة زوجها بالسرطان، على الرغم من أهميته، لم يكن السبب الوحيد وراء مغادرتها، مؤكداً أنها كانت تتعرض لضغوط من مسؤولين داخل البيت الأبيض باتوا غير راضين بشكل متزايد عن تصرفاتها، معتبرين أنها تسببت في تغطية إعلامية غير مرغوب فيها أو صرفت الانتباه عن الرسائل السياسية للرئيس.
وبالمثل، نقلت وكالة "رويترز" مؤخراً، عن مصادر، أن "غابارد قد تفقُد منصبها في تعديل وزاري أوسع". وذكرت الوكالة أن مسؤولاً رفيعاً في البيت الأبيض قال آنذاك، إن "ترامب أعرب عن استيائه من غابارد في الأشهر الأخيرة". كما أوضحت الوكالة، نقلاً عن مصدر آخر مطلع على الأمر، أن "الرئيس طلب من حلفائه آراءهم حول بدائل محتملة لرئيس جهاز الاستخبارات".
الجدير بالذكر أن غابارد نجتّ بأعجوبة، الشهر الماضي، من إقالتها من قبل ترامب، الذي أقنعه صديقهما المشترك روجر ستون، المستشار الخارجي للرئيس منذ فترة طويلة، بتأجيل الأمر.
وكان ترامب ألمح في السابق، إلى وجود خلافات مع غابارد حول نهجهما تجاه إيران، قائلاً في آذار/ مارس الماضي، "إنها "أكثر تساهلاً" منه في كبح طموحات طهران النووية.
غابارد وتخطي المحظور
تميّزت المسيرة المهنية القصيرة نسبياً لغابارد باتخاذها خطوات جريئة اعتُبرت غير مألوفة لمسؤول يتولى منصب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي يركز عادة على التهديدات الخارجية لا القضايا الداخلية. ففي حالتين داخل الولايات المتحدة، وتحديداً في ولايتي جورجيا وبورتوريكو، شاركت هي ومكتبها في مصادرة مواد انتخابية مرتبطة بانتخابات الرئاسة لعام 2020، التي يواصل ترامب الادعاء، من دون أدلة، بأنه فاز بها.
علاوة على ذلك، نقل موقع "أكسيوس" عن أحد الأشخاص المطلعين على ما يجري داخل وكالة "سي آي إي" وعمل ضمن الفريق الخاص لغابارد، أن "الوكالة كانت تعرقل محاولات مكتب مدير الاستخبارات الوطنية لكشف مزيد من المعلومات والوثائق المتعلقة بملفات حساسة، بينها اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي، وأصول فيروس كورونا، إضافة إلى ما يُعرف بمتلازمة هافانا، وهي حوادث صحية غامضة أصابت دبلوماسيين وعناصر استخبارات أميركيين في عدة دول حول العالم".
غابارد ورفض حروب أميركا الدائمة
لطالما عُرفت غابارد، منذ سنوات ــــ وهي من قدامى المحاربين في حرب العراق ــــ بمعارضتها للتدخلات العسكرية الأميركية الخارجية، فضلاً عن أنها لم تنجح يوماً في الانسجام مع الرئيس ترامب أو مع كبار مستشاريه الأمنيين. ولذلك، لم تُدرج ضمن دائرة صناع القرار الأساسيين خلال الاجتماعات الحساسة المتعلقة بالعمل العسكري ضد إيران أو العملية الخاطفة التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.
ما يجهله كثر، أن بعض المسؤولين في إدارة ترامب كانوا يكررون نكتة ساخرة عبر قولهم إن "اختصار منصبها (DNI) لا يعني مديرة الاستخبارات الوطنية، بل (لا تدعوها)؛ أي إنها لطالما كانت مستبعدة من الاجتماعات المهمة ودوائر القرار الحساسة".
وتعقيباً على ذلك، قال مارك بوليميروبولوس، وهو ضابط سابق في "سي آي إي"، إن "غابارد لم تعد قادرة على الاستمرار كرئيسة للاستخبارات الأميركية"، مضيفاً "لم يعد لديها أي دور فعلي. فعندما لا تملك أذن الرئيس ولا تحظى بثقته، لا يمكنك أن تكون مسؤولاً فعالاً في هذا المنصب. هذه من أبجديات العمل الاستخباراتي في واشنطن".
معارضة الحرب على إيران
في الحقيقة، اشتهرت غابارد بتغريدها خارج سرب فريق الأمن القومي الأميركي الذي شنّ الحرب على إيران. فأثناء جلسة استماع في الكونغرس، في أواخر آذار الماضي، لفتت تصريحاتها الحذرة الانتباه بسبب امتناعها عن تأييد قرار ترامب ضرب إيران بشكل واضح. كما تهرّبت مراراً من الإجابة عن أسئلة تتعلق بما إذا كان البيت الأبيض قد تلقى تحذيرات بشأن التداعيات المحتملة للحرب، بما في ذلك الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من جانب إيران.
أكثر من ذلك، قالت غابارد، في ملاحظات مكتوبة قُدمت إلى لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، إن الأجهزة الاستخباراتية لم تُسجّل أي محاولة من إيران لإعادة بناء قدراتها النووية بعد الضربات الأميركية العام الماضي التي "دمّرت" برنامجها النووي. والأسوأ بالنسبة لترامب، أن هذا التصريح ناقض روايته التي كرر فيها أن الحرب كانت ضرورية لمنع تهديد وشيك من طهران.
كما وجهت غابارد انتقادات علنية لترامب في ولايته الأولى، على خلفية اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في بغداد مطلع العام 2020.
تتجه الأنظار داخل واشنطن إلى مايكل إليس، نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية والمقرّب من مدير "سي آي إي" جون راتكليف، كأبرز المرشحين لخلافة غابارد، فيما يتولى آرون لوكاس المنصب مؤقتاً، وهو ضابط سابق في "سي آي إي" ويمتلك خبرة ميدانية واسعة في العمليات الاستخباراتية.




