دمشق: قلب بلاد الشام وحجر رحى التوازن الإقليمي الناشئ

أنس وهيب الكرديالثلاثاء 2026/05/26
أحمد الشرع (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بملايينها الثمانية الذين يقطنون أحيائها وريفها الممتد بين قطنا والمراح والضمير وسرغايا، تشكّل دمشق مركز ثقل النظام الجيوسياسي في منطقة بلاد الشام والهلال الخصيب.

تتموضع هذه المدينة بوداعة أسفل جبل قاسيون بمحاذاة نهر بردى. خارج أسوارها تمتد المدن والقرى لتربطها بالقنيطرة، درعا، السويداء، البادية، حمص ووداي البقاع اللبناني. لا شك أنها مثلت عقدة الاتصالات المحورية في النظام الجنوبي لبلاد الشام خلال القرون الماضية. 

في العصر الحديث، تشكلت الأهمية الجيوسياسية لدمشق من حيث لم يتوقع أحد: اتفاقية سايكس بيكو. هدف صناع الاتفاقية إلى تقاسم الهلال الخصيب الخارج من حطام الدولة العثمانية، إلا أنها عززت وضعية دمشق في سوريا، وعلى مستوى المنطقة. 

 

خلقت الاتفاقية دولة كبيرة نسبياً اسمها سوريا، محاطةً بدول أصغر منها: لبنان، فلسطين والأردن. تحتل دمشق حلقة الوسط بين هذه الدول. وعلى الرغم من أن العراق (توأم سوريا الخارج من رحم اتفاقية سايكس بيكو) يظل دولة أكبر، إلا أنه معزول جغرافياً، ويكاد يكون حبيس. لدى الغالبية العظمى من المحافظات السورية حدود مع الخارج، وهنالك محافظات على تماس مع أكثر من ساحة خارجية. تربط حمص العراق بلبنان، أما اللاذقية فساحلية من جهة ومجاورة لتركيا من جهة أخرى، والحسكة محصورة بين تركيا والعراق، وطرطوس تتموضع بين لبنان والمتوسط، وأخيراً، القنيطرة المتماسة مع لبنان، الأردن وفلسطين. هذا التماس المكثف، يجعل من سوريا منطلق للتأثيرات على بلدان المنطقة، مزوداً إياها بمداخل للنفوذ. وتتأثر سوريا بالظواهر الجيوسياسية الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط: هضبتا فارس ونجد، وادي النيل، فضلاً عن هضبة الأناضول. 

هذه الوضعية هيأت دمشق لأن تكون مركزاً إقليمياً لإدارة تفاعلات متعددة الاتجاهات، ومنحتها في الوقت نفسه قيمة استراتيجية تتجاوز وزنها الاقتصادي أو السكاني المجرد. أما إطلالة سوريا البحرية على البحر الأبيض المتوسط، فيضيف بعداً آخر يجعلها نقطة وصل بين الداخل القاري والخارج البحري، وبين الشرق والغرب، وأحد مراكز الثقل للممرات التجارية المعاصرة العابرة للشرق الأوسط.

 

وإن كانت سايكس بيكو قد شكّلت الأهمية الجيوسياسية لدمشق فإن انهيارها عزز قوة المدينة. توصل الإنكليز والفرنسيون خلال الحرب العالمية الأولى، إلى صياغة اتفاق سايكس بيكو ليكون بمثابة قطب الرحى في وراثة الدولة العثمانية في الهلال الخصيب، وإبعاد الأتراك "والإيرانيين" عن المنطقة. تولى الاتحاد السوفياتي تدعيم الجدار الذي خلقه اتفاق سايكس بيكو، عندما لوّحت أنقرة بالتدخل العسكري في سوريا في العام 1957. تقاسمت روسيا وإيران أعباء الدفاع عن الجدار، وحماية نظام الأسد، حتى انهار بالكامل أواخر كانون الأول/ ديسمبر من العام 2024. ولأول مرة في التاريخ المعاصر، يتفكك جدار السير مارك سايكس وجورج بيكو ليعود التواصل الحر بين دمشق والأناضول. عنى ذلك أن دمشق خاصةً، وسوريا عامةً، تستفيد فائدة مزدوجة من اتفاقية سايكس بيكو، ومن انهيارها. بهذا المعنى، لم يكُن المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك ينبي حقيقة، عندما تحدث عن أفول الاتفاق -الذي للمناسبة لم يكن للولايات المتحدة صلة به-، بل كان يقر واقعاً تحقق بالفعل.

 

وكان لنتائج الحروب التي فجرها "طوفان الأقصى"، تأثيرات إقليمية واسعة. أهمها على الإطلاق، تعاظم النفوذين الأميركي والتركي في الشرق الأوسط، تصاعد مخاطر النزعة الإسرائيلية التوسعية العدوانية وانفلات عقال المسؤولين الإيرانيين وأذرعهم الإقليميين (حزب الله – جماعة أنصار الله – الفصائل الولائية في العراق) جراء تراجع نفوذهم الإقليمي. ومن النافل قوله إن دمشق في بؤرة هذه التحولات التي هزت الإقليم ولا تزال.

تواجه دمشق قبل غيرها النزعة الإسرائيلية التوسعية الحديثة، في حين تتربص بها طهران وأذرعها. وليس من دون دلالة أن يجد حزب الله، الذي يتعرض لأشرس حرب إسرائيلية، والمنشغل بالصراع السياسي اللبناني، من الوقت ما يكفيه لزعزعة استقرار الحكم القائم في سوريا. وفي سياق مشابه، رفضت الفصائل الولائية العراقية، الهجمات التي طالتها لتغاضيها عن وجود قاعدتين إسرائيليتين على التراب العراقي، وقدمت تبريراً غريباً، مؤداه أن سلاحها مخصص لمواجهة السوريين.

 

ومع اعتداءات إيران ووكلائها الإقليميين على أمن الدول العربية، وخطط إسرائيل للهيمنة على المنطقة واغتصاب أجزاء جديدة من الأراضي العربية، تتعزز القناعة لدى الكثير من الأطراف للتحرك. فدول الخليج العربي، التي راقبت الصواريخ الإيرانية تنهال على منشأتها الاقتصادية، واشتراك الفصائل العراقية في الاعتداءات الإيرانية، ستبحث عن سبل لموازنة تلك الفصائل على الأقل. أما تركيا، التي تأكدت أن الإيرانيين لن يتورعوا عن تفخيخ المعادلات الحاكمة للعلاقات الإيرانية-التركية على مدى قرون، فيما الإسرائيليون يروجون لمواجهة تركيا بعد إيران، ستحتاج إلى أدوات لرد التهديدات الإيرانية ومقاومة العدوانية الإسرائيلية. أما الولايات المتحدة، التي لم تنجح حملتها على إيران في فتح الطريق أمام القوة الأميركية للعودة إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، فسيكون عليها التوقف لبرهة من أجل إعادة ترتيب أوراقها، آخذةً بعين الاعتبار أن موسكو وبكين، تتربصان بها أكثر من أي وقت مضى.

 

في ظل هذه اللوحة المعقدة، قد تؤدي دمشق دوراً ما في الدراما الجديدة للشرق الأوسط، ولربما تحولت إلى قطب الرحى في السياسة التي تدور من حولها.

وبسبب موقعها الجغرافي ومجاورتها لكل من لبنان والعراق وفلسطين المحتلة، فإن الأميركيين، الخليجيين والأتراك سيجدون في سوريا تحديداً دمشق، حجر الأساس لسياستهم الإقليمية. فطموح الولايات المتحدة لإضعاف إيران لا يمكن أن يتحقق من دون احتواء أذرعها في لبنان والعراق وقصقصة نفوذهم عن السياسة الوطنية في كلا الدولتين وعموم السياسة الإقليمية. أما مواجهة تركيا للتهديد الإسرائيلي طويل الأمد، فستتطلب تعزيز المدماك السوري كحاجز صد أمام القوة الإسرائيلية، والشيء ذاته ينطبق على غالبية دول الخليج العربي. ولموازنة النفوذ الإيراني في العراق وعدوانية الفصائل المدعومة من طهران، ستجد أنقرة والعواصم الخليجية في سوريا شريكاً لا غنى عنه، على حين ستتطلب أي سياسة خليجية أو تركية فعالة حيال لبنان، المرور من بوابة دمشق.

 

أسّس موقع دمشق وسط بلاد الشام، قوة المدنية لقرون مضت كمركز ثقل جيوسياسي وعقدة اتصالات. وأتت اتفاقية سايكس بيكو لتزيد من حيويتها. أما انهيار تلك الاتفاقية، فقد أعادها إلى قلب شبكة الطرق التي انفتحت في المجال الجيواستراتيجي للشرق الأوسط، من طرابزون على البحر الأسود وإسطنبول على بحر إيجه إلى العقبة وجدة على البحر الأحمر ودبي على الخليج العربي والمكلا على ساحل بحر العرب، وبين شط العرب في العراق واللاذقية ومرسين وبيروت على المتوسط. أما النتائج الملتبسة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فقد تضفي أهمية جديدة على هذه المدينة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث