من الذي يحرك الأرجوحة بين اليأس والرجاء في الشرق الأوسط؟ هل هو دونالد ترامب الذي يتعجل حدوث كل شيء، ولا يعرف كيف يوقف أو يبطيء من إيقاع أي شيء؟! أم أنها إيران التي ما عاد العالم يعرف من أين يصدر القرار عندها؟! مع مرشد غائب، ورئيس محدود الصلاحيات، وحرس ثوري مسيطر، وإرادة شعبية عاجزة أو قاصرة على أقل تقدير.
تتحرك الأرجوحة بين اليأس والرجاء، بفعل تصريحات الرئيس الأميركي ترامب في الأزمة، منذ قراره في رئاسته الأولى في العام 2018 بالانسحاب من الاتفاق النووي، وحتى قراره قبل ساعات بترك الأمور معلقة بانتظار خيارات بنيامين نتنياهو، بدعوى أن الرئيس الأميركي لم يعد في عجلة من أمره، أو أنه يفضّل أن يحصل فريقه في إدارة الازمة على فسحة كافية من الوقت بدت أحياناً بلا سقف، أو بسقف يتطلع الرئيس طول الوقت أن يكون مرضياً لتطلعات نتنياهو، الذي استوعب بدوره أن أهم دروس إدارة أزمة القرار عند ترامب هي أن تقول نعم طول الوقت بينما تفعل لا طول الوقت.
لقد تصاعدت أزمة الحرب الإيرانية مرات عدة، وتراجعت مرات عدة، بفعل تصريحات البيت الأبيض. كان ترامب يمهل نفسه بدعوى إعطاء الفرصة لفريقه للإمعان في دراسة نص مذكرة التفاهم، بينما كان اضطراب المواقف بين اللاعب الحقيقي (إسرائيل) وبين اللاعب الأصلي (أميركا) يثمر تردداً وعجزاً وتشويشاً في الرؤية والموقف معاً.
وبينما كان ترامب يحتفل بنفسه، مهنئاً قادة في الشرق الأوسط بإنجاز مسودة مذكرة تفاهم مؤقتة، كان نتنياهو يبحث مع حكومة المطبخ، سبل إفراغ تلك المذكرة من أي مضمون حقيقي، ليخرج بعدها مؤكداً-عكس ما ورد بمسودة مذكرة التفاهم ذاتها - أن "ترامب قال لنا افعلوا ما شئتم بكل مسارح الصراع بما فيها لبنان!" وهو تصريح يفرغ مسودة التفاهم المزعومة من أي محتوىً حقيقي، ويعود بالأزمة برمتها الى المربع الأول، ويضع نتنياهو ومطبخ حربه على سدة الإمساك منفرداً، بعجلة قيادة الأزمة.
وهكذا بتردد ترامب، وبحزم نتنياهو، راحت مسودة مذكرة التفاهم تتآكل بعد ساعات فقط من الكشف عنها، والسبب أن ترامب فعلها من دون الإنصات لنصائح نتنياهو. الذي عقد العزم على تمزيقها، فيما كان يهنئ ترامب على إنجازه.
لقد جرى على نحو منهجي، تقزيم إنجاز دبلوماسي محدود القيمة، باعتراف من أنجزوه فوصفوه بأنه: أولاً، مجرد مسودة تحتمل الكشط والشطب والتعديل والتبديل والتغيير. وأنه ثانياً، مجرد مذكرة تفاهم؛ أي مجرد نقاط جرى اعتمادها أساساً لمناقشات لاحقة، وأن هذا الإنجاز الدبلوماسي المحدود هو "إجراء مؤقت"، وعمل انتقالي ينقضي أثره بإنقضاء مدته، وهي مدة غير حاسمة تراوحت بين ثلاثين يوماً وستين يوماً، هذا، إذا صمدت في مواجهة ما قد يخرج عن مطبخ القرار في تل أبيب.
تفكيك المنجز الدبلوماسي (مسودة مذكرة التفاهم المؤقتة) لم يكن مهمة صعبة أو ثقيلة، أمام حكومة مطبخ نتنياهو، خصوصاً بعد أن تجلى للجميع عرباً وعجماً، أن مقود الأزمة والحل ليس بيد الرئيس الأميركي، أو على الأقل، ليس بيده وحده.
يتباهى ترامب طول الوقت بأنه صاحب قرار الانسحاب من الاتفاق النووي "السيء"، لكنه يتجاهل عمداً أن إيران لم تكن لتنجز تخصيباً بنسبة 60% لولا انسحاب ترامب الاتفاق، ما سوّغ لطهران التحلل من تعهداتها. مشكلة ترامب الآن، مصدرها الحقيقي أنه لا يستطيع الحصول على اتفاق نووي بديل مع طهران، بشروط أفضل من تلك التي حصل عليها باراك أوباما في العام 2015.
تحسين شروط اتفاق نووي مع طهران، بما يفوق شروط اتفاق أوباما، بات تحدياً يلاحق ترامب، من دون إمكانية حقيقية لتجاوزه، بفعل وقائع كثيرة استحدثتها حروب نتنياهو التي خاضها ترامب ضد طهران.
ما جرى على النحو الذي طرحته مسودة مذكرة التفاهم، التي استنزفت جل جهد باكستان بجنرالاتها وجيشها ودبلوماسيتها المستحدثة في مسرح شرق أوسطي جديد عليها تماماً، هو عملية استنزاف للسياسة، بأكثر مما تحتمل السياسة، حتى أن أي تصور لاستعادة الزخم الى مهام التسويات قصيرة الأجل، لا يمكن له أن يتحقق بغير عوامل تسخين مباشر أو غير مباشر للأزمة، فالوساطة والوسطاء لا يحملون في جعباتهم مقومات التغيير والتأثير، وإنما يحملها فقط الأطراف القادرة على الفعل.
غاية جهود مطبخ نتنياهو في الأزمة، هو التسخين الميداني والعودة مجدداً إلى ساحات القتال، عساها تنتج متغيراً جديداً، يحرك بالدبلوماسية، أدوات التغيير والتأثير في الأزمة وحلولها المفترضة.
الرهانات تتضخم وتتصاعد بتأثير تفاعلات الأزمة الراهنة، عند مفترق طرق حاسم، باتت الأطراف الإقليمية والدولية أكثر وعياً بمآلاته، وبالانعكاسات المحتملة لنتائجه على صورة النظام الدولي ومراكز القوى الفاعلة فيه، لمئة عام مقبلة.
الرهانات كبيرة والتحديات أكبر، لكن الدبلوماسية وحدها لا تزال عاجزة عن اجتراح حلول ناجعة، ما قد يستدعي حرباً جديدة أو بتعبير مطاعم الكشري في مصر "واحد كمالة" بدونه لن تتهيأ الأزمة لفرصة حل حقيقي.




