واشنطن وطهران: اتفاق الضرورة.. وصراع التأجيل

رأي لؤي مريودالاثنين 2026/05/25
Image-1779655331.Jpg
حراك أمام البيت الأبيض مناهض لتجدد الحرب في إيران (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تبدو التسريبات المتداولة حول مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، كأنها إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة من المواجهة المفتوحة، وبداية مرحلة أخرى أكثر تعقيداً، وتسعى لـ"إدارة الصراع بدل حسمه". 

البنود التي تتحدث عن إنهاء العمليات العسكرية على عدة جبهات، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف جزئي للعقوبات النفطية، مقابل التزامات إيرانية بشأن الملف النووي، لا تعكس اتفاقاً نهائياً بقدر ما تعكس حاجة متبادلة لالتقاط الأنفاس بعد تصعيد كاد يخرج عن السيطرة.

 

إسرائيل بين القلق الاستراتيجي وإعادة التموضع

في قلب هذا المشهد، تقف إسرائيل كأكثر الأطراف قلقاً من أي صيغة تهدئة لا تتضمن تفكيكاً جذرياً للبرنامج النووي الإيراني أو تقليصاً عميقاً لنفوذ طهران الإقليمي، وصولاً الى هدفها الاستراتيجي الأعلى، وهو تقسيمها كشرارة لتجزئة المنطقة. بالنسبة لتل أبيب، المشكلة ليست في وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل فيما يمنحه من فرصة لإعادة بناء القدرات الإيرانية تحت غطاء التهدئة.

خلال السنوات الماضية، لعب بنيامين نتنياهو دوراً محورياً في دفع الولايات المتحدة نحو تبني نهج أكثر تشدداً تجاه إيران، مستفيداً من علاقة شخصية وسياسية مع دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، حيث تقاطعت الرؤية بين الطرفين حول سياسة "الضغط الأقصى". هذه العلاقة ساهمت في دفع واشنطن نحو خطوات أكثر حِدّة تجاه طهران، لكنها في الوقت نفسه زجّت الولايات المتحدة في مسار تصعيدي طويل لم يحقق حسماً نهائياً، بل فتح الباب أمام جولات ردع متبادلة استنزفت الجميع.

اليوم، ومع عودة ترامب إلى واجهة التأثير السياسي الأميركي، تتزايد الأسئلة حول ما إذا كانت السياسة الأميركية تجاه إيران ستعود إلى منطق الضغط الصلب المدعوم إسرائيلياً، أم ستتجه نحو براغماتية جديدة أكثر ميلاً لتجنب الحروب المفتوحة. فترامب، بخلاف الخطاب المتشدد، يميل عملياً إلى الصفقات السريعة التي تُقدَّم كإنجازات سياسية، حتى لو لم تحسم جذور الأزمة.

هذا التباين بين الحسابات الإسرائيلية والرؤية الأميركية المحتملة، يفتح باباً لافتراق غير مباشر في الأهداف والأولويات: إسرائيل تريد تفكيكاً أمنياً كاملاً للقدرات الإيرانية، بينما واشنطن قد تكتفي بإدارة الخطر ومنع انفجاره. وفي هذه الفجوة تحديداً، يكمن مستقبل العلاقة بين الطرفين، خصوصاً إذا شعرت تل أبيب أن الاتفاقات الأميركية تُبقي إيران قوية بما يكفي لإعادة بناء نفوذها خلال سنوات قليلة.

 

إيران بين النجاة وإعادة هندسة النفوذ

إيران، في المقابل، ستخرج، إذا صحّت هذه التسريبات، من مرحلة خطرة للغاية لكنها غير منهزمة. فالنظام الذي ينجو من مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل دون انهيار داخلي، سيعتبر ذلك مكسباً استراتيجياً، حتى لو دفع أثماناً اقتصادية وسياسية كبيرة.

غير أن الأهم هو ما ستفعله طهران بعد ذلك. فبدلاً من التوسع الصاخب الذي ميّز سنوات ما قبل التصعيد، قد تتجه إلى نموذج أكثر هدوءاً: نفوذ أقل ضجيجاً وأكثر عمقاً، يعتمد على الاقتصاد غير المباشر، والشبكات السياسية، والتأثير الأمني منخفض الظهور. أي انتقال من إيران المواجهة إلى إيران الإدارة الخلفية.

 

العرب وإيران بين الاحتواء وإعادة التوازن

الدول العربية تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة عن تلك التي حكمت العقد الماضي. فالمواجهة المباشرة مع إيران لم تعد خياراً عملياً، كما أن ترك الساحة الإقليمية دون توازن يخلق فراغاً استراتيجياً خطيراً.

لذلك ستتجه أغلب العواصم العربية نحو سياسة مزدوجة: انفتاح سياسي تدريجي على طهران من جهة، وبناء قدرات ردع عسكرية وتحالفات أمنية من جهات أخرى في الإقليم، كتركيا. هذه السياسة لا تقوم على القطيعة ولا على التحالف، بل على إدارة التوازن في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

 

الحاجة إلى تحالف عربي–تركي

في هذا السياق المعقد، تبرز أهمية متزايدة لإعادة التفكير في العلاقات العربية–التركية بوصفها أحد عناصر التوازن الإقليمي الممكنة. فتركيا، بثقلها العسكري والاقتصادي وموقعها الجغرافي، تمتلك قدرة على التأثير في عدة ساحات متداخلة مع النفوذ الإيراني، من سوريا والعراق إلى شرق المتوسط.

تحالف عربي–تركي، أو على الأقل تنسيق استراتيجي عميق، يمكن أن يشكل عامل توازن مهم في مواجهة التحديات القادمة، ليس فقط تجاه إيران، بل أيضاً في إدارة التحولات في النظام الدولي نفسه. فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة، والاعتماد على مراكز قوة منفردة لم يعد كافياً لضمان الاستقرار الإقليمي.

هذا النوع من التقارب لا يعني بالضرورة تحالفاً عسكرياً مباشراً، بقدر ما يعني تنسيقاً أمنياً واقتصادياً وسياسياً قادراً على خلق توازنات تمنع أي طرف إقليمي من فرض هيمنة منفردة على المنطقة.

 

إعادة توزيع الصراع

إذا كانت التسريبات صحيحة، فنحن أمام مرحلة جديدة عنوانها ليس نهاية الصراع، بل إعادة توزيع الصراع. إسرائيل قلقة من نتائج لا تمنحها الحسم، وإيران ترى في النجاة نصراً مؤسساً لمرحلة جديدة، وأميركا تحاول إدارة التوازن بين الحليف الإسرائيلي والحسابات الدولية الأوسع، بينما تتحرك المنطقة العربية نحو معادلة احتواء متعددة الاتجاهات.

وفي الخلفية، يبقى الشرق الأوسط كما هو: منطقة لا تُحسم فيها المعارك نهائياً، بل تُؤجَّل فقط.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث