تتزايد في إسرائيل حالة القلق والترقب إزاء التفاهمات الآخذة بالتبلور بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف سياسية وأمنية من أن يؤدي الاتفاق المحتمل إلى منح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية، من دون معالجة الملفات التي تعتبرها إسرائيل جوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني.
وأوردت القناة (12) الإسرائيلية، أن مسؤولين كباراً في المؤسسة الأمنية يتابعون "بقلق بالغ" مسار المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، بانتظار القرار النهائي للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الاتفاق المتبلور.
ونقلت القناة عن مسؤول أمني، قوله إن "الاتفاق، كما يبدو حالياً، لا يخدم المصلحة الإسرائيلية"، مضيفاً أن إيران "ستحصل على فترة للتعافي الاقتصادي والعسكري، وبعد ذلك سيكون من الصعب على الأميركيين وعلينا العودة إلى القتال".
وأضاف مسؤولون أمنيون أن إسرائيل تخشى أن يؤدي الاتفاق إلى أن "تزداد إيران ثراءً، وتموّل الإرهاب، وتندفع نحو النووي، وتعيد بناء أذرعها في الشرق الأوسط"، معتبرين أن هذا المسار "لا يبدو جيداً" بالنسبة لإسرائيل.
خلافات حول الملف النووي
وأضافت القناة أن "الاختبار المركزي" بالنسبة لإسرائيل يتمثل في مصير المواد النووية الإيرانية، ولا سيما ما إذا كانت ستُنقل إلى خارج إيران، كما سبق أن تعهد ترامب، أم ستبقى داخل البلاد خلال المرحلة الحالية من التفاهمات.
وأشارت التقديرات الإسرائيلية أيضاً وبحسب مسؤولين أمنيين تحدثوا للقناة، إلى أن ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية "لم يُطرح أساساً" خلال المفاوضات، فيما "لا يجري الحديث إطلاقاً عن الأذرع الإيرانية" في المنطقة.
وأضاف المسؤولون أن إسرائيل تسعى إلى "فصل الربط بين إيران ولبنان ضمن الاتفاق"، مع الحفاظ على "حرية عمل الجيش الإسرائيلي"، في إشارة إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
استياء من موقف واشنطن
وفي السياق ذاته، تحدثت القناة عن حالة استياء داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من طريقة إدارة واشنطن للمفاوضات، مشيرة إلى أن الأميركيين "ألغوا عملياً حالة عدم الرضا الإسرائيلية"، وأن "رسائل حاسمة نُقلت إلى نتنياهو ورون ديرمر"..
قالت إن إسرائيل كانت تأمل أن تدفع الضغوط العسكرية والاقتصادية إيران إلى القبول بمفاوضات "بشروط أفضل"، إلا أن التقديرات الحالية تشير إلى أن الإدارة الأميركية لا تتحرك في هذا الاتجاه، وأن هذا السيناريو "لن يتحقق على ما يبدو"..
وعلى الرغم من استمرار المفاوضات، أكدت القناة أن حالة التأهب الإسرائيلية تجاه إيران "لا تزال قائمة"، فيما يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته في لبنان "كالمعتاد"، في ظل عدم صدور أي توجيهات سياسية مغايرة.
وفي السياق عينه، اعتبر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق تمير هايمان، أن الاتفاق المتبلور مع إيران "لا يتناول فعلياً" الملفات التي تعتبرها إسرائيل أهدافاً مركزية للحرب.
وقال هايمان إن الاتفاق "لا يعالج الملف النووي، ولا الصواريخ الباليستية، ولا وكلاء إيران في المنطقة"، مضيفاً أن "ميزان هذه الحرب سلبي" إذا انتهت بالصيغة المطروحة حالياً، لأن إسرائيل "لم تحقق أهداف الحرب الأساسية كما جرى تعريفها".
وأشار الرئيس الحالي لمعهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب إلى أن الاتفاق المقترح "مقسم فعلياً إلى جزأين: تفاهم بشأن مضيق هرمز، واتفاق نووي يفترض أن يأتي لاحقاً"، معتبراً أن المرحلة الثانية قد تبقى نظرية فقط من دون تنفيذ فعلي.
وأضاف أن مجرد توقيع تفاهم بشأن هرمز سيمنح إيران "إنجازين مهمين"، يتمثلان في الاعتراف بشرعية النظام والسيادة الإيرانية، وربما السيادة على المضيق، إلى جانب تأجيل مناقشة الملف النووي إلى مرحلة لاحقة.
معيار الحسم
ورأى هايمان أن "المعيار الحقيقي الوحيد" لأي اتفاق يجب أن يكون ما وصفه بـ"زمن الاختراق نحو السلاح النووي"، أي الفترة الزمنية التي تحتاجها إيران منذ اتخاذ قرار إنتاج سلاح نووي وحتى الوصول إلى مواد انشطارية مخصبة بنسبة 90 في المئة.
وأضاف أن الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما منح إسرائيل "سنة كاملة" كفترة اختراق، معتبراً أن أي اتفاق جديد يجب أن يضمن فترة أطول من ذلك.
وأوضح أن بقية تفاصيل الاتفاق، مثل كمية اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي وآليات الرقابة والمنشآت النووية، "تتجمع في نهاية المطاف في هذا المعيار وحده".
لبنان ضمن حسابات التفاهمات
وفيما يتعلق بالحرب في لبنان، اعتبر هايمان أن الوضع الحالي "غير محتمل"، داعياً إلى ضرورة العمل على "فصل الساحات" والتعامل مع لبنان بصورة مستقلة "برعاية دولية وبالاستناد إلى عمل عسكري".
وأضاف أنه إذا أصرت إيران على اعتبار لبنان جزءاً من منظومة نفوذها عبر حزب الله، "فيجب فتح ملف الأذرع بالكامل"، وإدخال جميع التنظيمات المرتبطة بإيران ضمن أي اتفاق مستقبلي، "لإجبار الإيرانيين على مناقشة قضايا يتجنبونها حالياً"، بحسب تعبيره.




