أعاد إنجاز انتخابات مجلس الشعب في الحسكة والقامشلي وعين عرب، ملف انعقاد أول مجلس شعب في سوريا بعد سقوط النظام المخلوع إلى الواجهة، بعد أشهر طويلة من التأجيل والتعقيدات الأمنية والسياسية التي رافقت استكمال تشكيله.
وأعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، نتائج الاقتراع في الدوائر ذات الغالبية الكردية شمال شرق سوريا، حيث فاز فرهاد أنور شاهين وشواخ إبراهيم العساف بعضوية المجلس عن منطقة عين عرب بريف حلب، فيما فاز إبراهيم مصطفى العلي وعمر عيسى هايس وفصلة يوسف عن دائرة الحسكة، وكيم حسين إبراهيم ورضوان عثمان سيدو وعبد الحليم خضر العلي ومحمود ماضي العلي عن دائرة القامشلي.
وشملت العملية الانتخابية دوائر الحسكة والقامشلي وعين عرب لاختيار تسعة أعضاء، بينما حُسم مقعدا دائرة المالكية بالتزكية، بعد ترشح شخصين فقط للمقعدين المخصصين لها.
مشاركة مرتفعة واعتراضات كردية
وقال المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة لوكالة "سانا"، إن العملية الانتخابية في الحسكة وعين عرب نجحت، معتبراً أنها شكلت "نقطة تحول مفصلية" في ملامح سوريا الجديدة، وامتحاناً لرغبة أبناء المحافظة في أن يكونوا جزءاً من المشهد الوطني الموحد.
وأضاف أن نسبة المشاركة تجاوزت 95 % عند إغلاق صناديق الاقتراع، مشيراً إلى فتح باب الطعون لمدة 48 ساعة قبل إعلان النتائج النهائية.
ولم تمر إجراء الانتخابات في مناطق ذات غالبية كردية من دون اعتراضات، إذ انتقدت أحزاب وحركات كردية آلية تشكيل المجلس، معتبرة أنها "ليست في واقعها سوى عملية تعيين"، ولا تعبر عن "الإرادة الكردية الحرة".
كما اعترضت تلك الأحزاب على حصر التمثيل الكردي بأربعة مقاعد فقط من أصل 210، مطالبة بتمثيل لا يقل عن أربعين مقعداً، استناداً إلى تقديراتها بأن الكرد يشكلون نحو 20 في المئة من سكان سوريا.
عام من التأجيل والتعقيدات
ويأتي هذا التطور بعد نحو عام من إعلان نتائج أول انتخابات لمجلس الشعب في سوريا بعد سقوط النظام، إذ كانت اللجنة العليا قد أعلنت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي أسماء 119 عضواً من أصل 140 عضواً يُفترض اختيارهم عبر هيئات ناخبة مناطقية، بينما بقيت 21 مقعداً شاغراً في الحسكة والرقة والسويداء لأسباب وُصفت حينها بأنها أمنية.
وخلال الأشهر الماضية، تكررت تصريحات المسؤولين السوريين بشأن قرب انعقاد المجلس، غير أن استمرار سيطرة "قسد" على أجزاء واسعة من الجزيرة السورية، إلى جانب التوترات الأمنية والسياسية في السويداء، حال دون استكمال هذا الاستحقاق.
وجاءت انتخابات الحسكة والقامشلي وعين عرب بعد تفاهمات بين دمشق و"قسد"، في إطار مسار أوسع لإعادة دمج مناطق شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة.
الثلث الرئاسي واستكمال التوازنات
ويتألف مجلس الشعب من 210 أعضاء، يُنتخب ثلثاه عبر هيئات ناخبة، فيما يعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي، أي 70 عضواً، لم يُعلن عن أسمائهم حتى الآن. وتعول اللجنة العليا للانتخابات على الكتلة الرئاسية لمعالجة الثغرات التي أظهرتها النتائج الأولية، ولا سيما ضعف تمثيل النساء والمكونات الدينية والإثنية، بعد أن لم تتجاوز نسبة تمثيل المرأة 3 في المئة، رغم أن الإعلان الدستوري حددها بـ20 في المئة.
وكان رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد قد أكد في تصريحات سابقة أن الرئيس أحمد الشرع سيستفيد من صلاحياته في تعيين ثلث أعضاء المجلس لمعالجة اختلالات التمثيل داخل البرلمان.
السويداء خارج المشهد الانتخابي
في المقابل، تبقى محافظة السويداء العقدة الأخيرة أمام اكتمال المجلس، إذ لا تزال مقاعدها الثلاثة شاغرة، في ظل تعذر إجراء الانتخابات بسبب التعقيدات الأمنية والسياسية المستمرة في المحافظة. وترتبط الأزمة بالتوتر القائم بين دمشق ومرجعيات محلية، أبرزها الشيخ حكمت الهجري، الذي جدد مؤخراً تمسكه بمسار إدارة محلية مستقلة و"حق تقرير المصير".
وقال نوار نجمة إن الظروف السياسية في السويداء "غير مواتية" لإجراء الانتخابات حالياً، مرجحاً أن يتأخر تنظيمها إلى ما بعد انعقاد مجلس الشعب، ما لم تطرأ تطورات جديدة.
وبذلك، يبدو أن المجلس قد يعقد جلسته الأولى من دون انتظار إجراء الانتخابات في السويداء، على أن تُعالج فجوة تمثيلها جزئياً عبر الأسماء التي سيعيّنها الرئيس ضمن حصته.
برلمان مؤجل وأسئلة المرحلة الانتقالية
ويطرح تأخر انعقاد مجلس الشعب منذ إعلان نتائجه الأولى أسئلة أوسع حول طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، خصوصاً في ظل استمرار غياب السلطة التشريعية طوال الأشهر الماضية. فغياب البرلمان منح الحكومة هامشاً واسعاً لإدارة الملفات الداخلية والخارجية وإصدار القرارات والتشريعات، لكنه أبقى مؤسسات الحكم غير مكتملة، وأثار تساؤلات حول التوازن بين السلطات خلال المرحلة الانتقالية.
ومع انتهاء انتخابات الحسكة والقامشلي وعين عرب، تتجه الأنظار الآن إلى إعلان أسماء الثلث الرئاسي وتحديد موعد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها اختباراً سياسياً ودستورياً لسوريا ما بعد الحرب.




