أفادت تقارير إعلامية عبرية، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض خلال الأسابيع الأخيرة الرد عدة مرات على طلبات من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإجراء محادثات مباشرة معه، مفضلاً تكليف مقربين منه بنقل الرسائل والتطورات إلى نتنياهو، في خطوة وصفتها الأوساط الإسرائيلية بأنها غير مألوفة في ظل حساسية المرحلة الحالية.
وبحسب ما نقلته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن هذا السلوك الأميركي جاء بالتزامن مع اتصالات سياسية مكثفة تتعلق بإيران وبرنامجها النووي ومستقبل مضيق هرمز واحتمالات التوصل إلى وقف إطلاق نار أوسع في المنطقة، بما يشمل الساحة اللبنانية.
وترى مصادر إسرائيلية أن إدارة ترامب تتبنى خلال الأسابيع الأخيرة نهجاً يقوم على تعزيز صورة دول الخليج العربية كشركاء أساسيين للولايات المتحدة في إدارة الأزمة مع إيران، مقابل تقليص الحضور الإسرائيلي في المشهد السياسي والدبلوماسي المرتبط بالمفاوضات الجارية.
وأشارت المصادر إلى أن ترامب يكرر في خطاباته وتصريحاته توجيه الشكر إلى السعودية والإمارات وقطر والكويت ودول عربية أخرى على مساهمتها في الجهود المتعلقة بالأزمة الإيرانية، بينما تغيب إسرائيل عن هذا الخطاب بشكل لافت، حتى في المناسبات التي تحدث فيها عن الدول التي ساعدت واشنطن خلال التصعيد مع طهران.
واشنطن تسعى لتحالف إقليمي
وتقول الأوساط المقربة من مكتب نتنياهو إن البيت الأبيض يسعى إلى بلورة تحالف إقليمي واسع يمنح التحرك الأميركي تجاه إيران طابعاً عربياً وخليجياً، بدلاً من ظهوره كمشروع أميركي إسرائيلي مشترك.
ونقلت "معاريف" عن أحد المصادر قوله إن "الأميركيين يريدون تصوير هذه الخطوة على أنها خطوة إقليمية واسعة، وليس كخطوة إسرائيلية"، مضيفاً أن دول الخليج أصبحت بالنسبة لترامب "المورد السياسي المركزي" في الشرق الأوسط خلال هذه المرحلة.
ويأتي هذا التحول في وقت تتبلور فيه مسودة تفاهمات بين واشنطن وطهران تتضمن تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتقديم تسهيلات اقتصادية لإيران، إضافة إلى بحث ترتيبات تهدئة محتملة في لبنان، وهي ملفات تعارضها إسرائيل علناً.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن الإدارة الأميركية تحاول من خلال هذا المسار تحقيق عدة أهداف في وقت واحد، من بينها احتواء احتمالات توسع الحرب الإقليمية، وتهدئة أسواق الطاقة العالمية، وخفض المخاطر الاقتصادية الناتجة عن استمرار إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب تجنب الظهور بمظهر المنخرط في سياسات تخدم نتنياهو بشكل مباشر.
كما ترى دوائر إسرائيلية أن ترامب يسعى داخلياً إلى تقديم نفسه باعتباره قادراً على تحقيق اختراق سياسي ودبلوماسي يضمن استقرار المنطقة وأسواق النفط من دون الانجرار إلى حرب واسعة أو الظهور كمن يتحرك بدوافع إسرائيلية.
إحباط في تل أبيب
وفي موازاة ذلك، تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية عن تنامي الإحباط داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية بعد أن أبدى ترامب بصورة واضحة تفضيله لمسار الاتفاق مع إيران بدلاً من العودة إلى الخيار العسكري.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله إن الاتصالات لا تزال مستمرة بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، غير أن المحادثة التي جرت بين ترامب ونتنياهو مساء السبت كانت، بحسب وصفه، "المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس الأميركي بوضوح عن تفضيل مسار الاتفاق". وأضاف المسؤول: "لم نتفاجأ لكننا شعرنا بخيبة أمل".
ويرى المسؤولون الإسرائيليون أن التفاهمات الحالية تمنح إيران عملياً استمراراً لوقف إطلاق النار من دون تقديم تنازلات جوهرية حتى الآن، معتبرين أن ما يجري لا يتضمن مقابلاً حقيقياً سوى الاستعداد للدخول في مفاوضات إضافية.
كما تعتقد تل أبيب أن الاعتبارات الاقتصادية العالمية، إضافة إلى استخدام إيران ورقة مضيق هرمز وتأثيرها على أسواق الطاقة، لعبت دوراً حاسماً في دفع واشنطن نحو خيار التفاوض بدلاً من التصعيد العسكري.
ورغم ذلك، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ بالكامل عن الخيار العسكري، خصوصاً مع استمرار العقوبات الأميركية وعدم سحب القوات الأميركية من المنطقة.
وقال مسؤول إسرائيلي إن هذه المعطيات تعني أن "الخيار العسكري لم يُرفع عن الطاولة"، وإن احتمالات استخدامه تراجعت فقط في المرحلة الحالية.
مخاوف إسرائيلية
وتبدي إسرائيل قلقاً خاصاً من احتمال ترحيل القضايا الجوهرية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني إلى مراحل لاحقة من التفاوض، في وقت قد تحصل فيه طهران على مكاسب اقتصادية وسياسية وإقليمية مبكرة.
وبحسب تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فإن القضايا الأساسية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب وآليات الرقابة النووية لن تُحسم خلال المرحلة الحالية، بل سيتم ترحيلها إلى جولات تفاوض إضافية قد تمتد لنحو ستين يوماً.
وتخشى إسرائيل من أن يؤدي هذا المسار إلى منح إيران وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب أوضاعها السياسية والعسكرية، بينما تتراجع احتمالات تنفيذ ضربة عسكرية ضدها في المدى القريب.
وفي هذا السياق، نقلت "هيئة البث الإسرائيلية" عن مصادر رسمية أن نتنياهو أبلغ ترامب خلال محادثتهما الأخيرة مخاوفه من أن تؤدي التفاهمات الحالية إلى "تأجيل معالجة الملف النووي الإيراني"، إضافة إلى اعتراضه على ربط وقف إطلاق النار في لبنان بالتفاهمات الأميركية الإيرانية.
كما أكد مكتب نتنياهو، وفق تقارير إسرائيلية، أن ترامب شدد خلال اتصاله الأخير مع رئيس الوزراء الإسرائيلي على تمسكه بمطلب "تفكيك البرنامج النووي الإيراني وإخراج اليورانيوم المخصب من إيران"، وأنه لن يوقع اتفاقاً نهائياً من دون تحقيق هذه الشروط.




