إذا خرج رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أو أُخرج، من الحكم، وهي الخاتمة المرجّحة لولايته التي تعصف بها المشاكل، فلن تقع المسؤولية كلها على حرب أميركية-إسرائيلية "مؤجلة" ضد إيران أدمت اقتصاد بلاده.كان قبل اندلاعها الأخير "يتمتع بمنصب الزعيم من دون أن يحظى بسلطاته" بحسب عبارة شهيرة قيلت عن سلفه المحافظ جون ميجور. إلا أنها أنتجت متاعب لم يكن يحسب لها حساباً عندما تحولت الى أزمة محلية عززت الشعور بغياب الأمان وأعاقت تنفيذ وعود انتخابية، فرسمت الطريق إلى نهاية زعامته المرتقبة.
سجل حافل
هذا "الموت" المعلن غير مفاجئ. في سجله الكثير من التردد والأحكام الخاطئة والعودة عن مواقف معلنة. ورصيده من الخيبات والتأرجح بين اتخاذ القرار وعدمه، يكفي في حد ذاته لكي يتكبد حزب العمال الحاكم بقيادته أقسى الخسائر الانتخابية في تاريخه الطويل في 8 أيار/ مايو الجاري.
أما السبب المباشر لدفعه إلى شفا الهاوية، فهو الحرب التي رفض استقبالها حين قرعت بابه، ثم جاءت إلى عقر داره من دون استئذان عندما تحولت إلى أزمة محلية. وهي رفعت أسعار الطاقة ووجهت ضربات مؤلمة لمشاريع الحكومة بتحريك عجلة النمو الاقتصادي ووضع مالية البلاد على سكة النجاة من التضخم وكبح أزمة تكلفة المعيشة، فتوقف الاستثمار وقفزت البطالة بنسبة 5 في المئة.
وكان المحامي اللامع الذي اشتُهر بمعارضته الجسورة لغزو العراق في 2003 وتفنيده لدوافعها بمهارة، قد حرص على عدم التورط في الحرب ضد إيران مشدداً على أنها "غير شرعية"، ولم يسمح لأميركا باستخدام قواعد بريطانية. ثم لم يلبث أن رضخ لضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتهديداته. وأعطى الضوء الأخضر للقاذفات الأميركية بالهبوط في دييغو غارسيا وقواعد بريطانية.
ثمن الحرب
وإذ استمر القتال الفعلي نحو ستة أسابيع قبل الدخول في مرحلة اللاسلم واللاحرب، فإن تداعياته الباهظة الثمن لن تنتهي ربما في سنوات. هكذا حلّقت تكلفة المعيشة إلى مستويات أعلى مما مضى، وأخذ التضخم يهدد جيوب البريطانيين فيما حذّر بنك إنكلترا من أن القادم أفظع، الأمر الذي عمّق الشعور بعدم الأمان لدى الناخبين. والقلق بشأن مستقبل غامض يحفز الناس علـى تبني سياسات عاطفية تجعلهم لقمة سائغة للشعوبيين ومزاعمهم التي تدغدغ المشاعر القومية.
لم يستطع ستارمر أن يُوقف المدّ الشعبوي. حرمه من النجاح في ذلك وافتقاره للكاريزما وأداؤه المضطرب، الذي تجلى مثلاً في التسابق مع اليمينين المتطرفين على استعمال خطابهم نفسه ما أدى إلى نتائج معكوسة. وكان السياسي الغرّ، قد وصل إلى زعامة الحزب، عبر طريق "تآمري"، على جثة سلفه اليساري جيرمي كوربين في 2020. ولم تمضِ عشر سنوات على وجوده في مجلس العموم حتى صار رئيساً للوزراء في تموز/ يوليو 2024.
حصار مزدوج
وفيما انخفضت أسهمه تدريجياً، راح الشعبويان نايجل فاراج زعيم حزب الإصلاح على ضفة اليمين، وخصمه اليساري زاك بولانسكي زعيم حزب الخضر، يتقدمان في استطلاعات الرأي. وبقي هو في الوسط، عرضة للضغط من الفصيلين الصاعدين على يمينه ويساره، من دون أن يفي بالتعهدات التي التزمها في البيان الانتخابي، وأهمها "تحقيق التغيير" و"التعافي الاقتصادي"، كما لم يقدم سردية مميزة توضح لماذا يريد أن ينجز ما يسعى إلى إنجازه!
في الوقت نفسه، كان هو وحكومته يتعرضان لحالة حصار أخرى بين الصقور المطالبين بالمشاركة في الحرب، ومنهم سلفه توني بليز واليمين الشعبوي وحزب المحافظين ومعظم وسائل الاعلام، من جهة، والشعب الذي يعارضها بنسبة (59 في المئة)، والحكومات الأوروبية التي أجمعت على عدم التورط فيها، من جهة ثانية. صحيح أن اليمينين سارعوا إلى الانعطاف للخلف وإعادة النظر في تأييدهم للحرب بعدما أدركوا أن الناخبين يقفون ضدها. لكن "توبتهم" أتت متأخرة بعد ما أشبعوا ستارمر انتقادا بمزاوداتهم.
وبعيداً عن الاقتصاد الذي لقي ما لقيه بسببها، أربكت الحرب تحالفات البلاد ومكانتها الخارجية. لم تعد بريطانيا تحظى بالثناء المعتاد في منطقة الخليج العربية، حيث التحفظ على عدم مساهمتها مساهمة أكثر فعّالية في التصدي للاعتداءات الإيرانية لم يعد سراً. وبدأت صديقتها التاريخية قبرص تطالب باستعادة قاعدتي أكروتيري وديكيليا اللتين تحتفظ بهما لندن هناك منذ 1960. واضطربت "العلاقة الخاصة" المزعومة مع أميركا ما ينذر بتعرضها لـِ "عقوبات" سياسية واقتصادية خصوصاً في ظل إدارة دونالد ترامب المعروف بحرصه على الانتقام.
كل هذا يوحي أن ستارمر يعيش في 10 داونينغ ستريت على زمن مستعار. وكيف ينجو بعد أن تهشمت صورته، في بلاد أطلق فيها البريكست العنان للتشرذم الاجتماعي والسياسي و باتت معروفة بشهيتها لتغيير رؤساء حكوماتها الذين استبدلت 6 منهم في العقد الأخير؟ وحتى لو خرج من عنق الزجاجة، من المستبعد أن يبقى في السلطة بعد أن تخلى عنه كثير من نواب حزبه وصار الجدال في كواليس السياسة البريطانية يتركز على مواصفات رئيس الوزراء البديل عوضاً عن سبل تحسين أداء الأصيل؟




