أجمعت القراءات السياسية والأمنية الإسرائيلية على أن تل أبيب في موقع الصامت والقلِق والمتوجس والحَذِر؛ بسبب المسار المتسارع الذي تتخذه المحادثات الأميركية الإيرانية في الأيام الأخيرة؛ بدعوى أن إسرائيل تخشى من اتفاق قد يغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.
مذكرة تفاهم مرحلية
واعتبر محرر الشؤون السياسية لهيئة البث العبرية شمعون آران، أن الحديث يدور عن مذكرة تفاهم مرحلية فقط، إلا أنه اعتبر أن طهران بدت وكأنها أقنعت واشنطن بتأجيل حسم الملف النووي إلى مرحلة تالية، ما يخالف رغبة أميركا وإسرائيل في البداية بفرض اتفاق على طهران دُفعة واحدة على قاعدة "خذه.. أو أتركه". ونوه آران أنه "لا يُمكن الاعتقاد أن نتنياهو راضٍ عن التفاهم المتبلور بين أميركا وإيران".
وكدلالة على ركن الخيار العسكري جانباً، على الأقل الآن، أشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن إسرائيل خفضت حالة التأهب التي اتخذتها في الأيام الماضية تحسباً لاحتمال استئناف الحرب على إيران.
ويواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مشاوراته مع الأجهزة الأمنية؛ لبحث جوانب "الخطر الأمني والاستراتيجي" في أي تفاهم أو اتفاق بين أميركا وإيران، سواء كان مرحلياً أم نهائياً، بموازاة نقاش أبرز ثغرات المسودة وإمكانات تجييرها لصالح إسرائيل آنياً ومستقبلاً.
مؤشر للتباين
ولفتت الإذاعة العبرية الرسمية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اكتفى بوصف مكالمته مع نتنياهو بأنها جرت بصورة جيدة، متجنباً نعتها بأوصاف "مميزة" كما جرت العادة، وهو ما عدّته مؤشراً آخر على تباينات أميركية-إسرائيلية حيال مسودة التفاهمات الجاري العمل عليها بين واشنطن وطهران عبر الوسطاء. ونقلت الإذاعة العبرية عن مصادر أمنية إسرائيلية أن المسودة "مثيرة للقلق"؛ لأنها لم تحسم ملف إيران النووي ولم تقيد برنامجها الصاروخي، وهما أمران تعدهما تل أبيب بمثابة "ثغرات" تمنح إيران هامشاً واسعاً لإعادة قدراتها الاستراتيجية والتكتيكية في الفترة المقبلة.
مسودة التفاهم.. "جدلية"!
وخلصت كثير من التحليلات الإسرائيلية في الساعات الأخيرة، أنه حتى لو وقّعت أميركا وإيران على "مذكرة التفاهم"؛ إلا أنها ستبقى "جدلية"؛ بزعم أن الإشكالية ستبقى متمثلة في الضمانات، وأن الأخيرة هي التي أخرت الاتفاق طيلة الفترة الماضية. وأشارت تلك القراءات العبرية، إلى أن حصول اتفاق مرحلي بين واشنطن وطهران يخالف المصلحة الإسرائيلية لمجرد تأجيله حسم المشروع النووي والصاروخي الإيراني إلى فترة لاحقة، عدا أن الاتفاق يعني بمنظور إسرائيل "الإبقاء على النظام الإيراني" وإتاحة الفرصة لدور إيراني "قوي" في الإقليم، وكذلك مواصلة دعم "وكلائها" بالمنطقة، وهي كلها أمور يراها نتنياهو "خطيرة".
وفي حين، رجحت وسائل إعلام عبرية أن تضغط الولايات المتحدة من أجل وقف شامل للحرب في كل الجبهات، بما يشمل لبنان، إلا أنها رأت أن هذا لن يحسم مسألة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في الحرب الأخيرة، كما ادعى محللون مقربون من الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية، أن هناك "مطبات كثيرة" ستعترض المضي بالاتفاق، وأننا أمام "اتفاق فيه ألغام كثيرة قد تنفجر مستقبلاً".
تباينات إسرائيلية
وتصاعدت الانتقادات في إسرائيل في الأيام الأخيرة بحجة تراجع مستوى التشاور بين تل أبيب وواشنطن، لدرجة "تهميش" دور إسرائيل القلقة من "فرض" واقع إقليمي جديد لا يُلبي "احتياجاتها"، لكن الخبير الإسرائيلي بالشأن الإيراني إلداد باردو، بدا أكثر تحمساً للاتفاق الذي يراه قريباً، مشيراً إلى معارضته لمخاوف بعض المحللين الإسرائيليين، بما فيهم أحد المقربين من نتنياهو الذي قال إن "آخر معاقل القوة قد سقط، ولم تعد أميركا هي الأسد في الغابة". ورأى باردو في مداخلته بالإذاعة العبرية العامة، أن السؤال المركزي هو "هل نريد حروباً لا تنتهي؟"، مبيناً أنه خلافاً للمخاوف في إسرائيل، يرى أن صناعة السلاح النووي الإيراني تواجه تحديات كبيرة، وأن خطر القنبلة النووية بات "بعيداً جداً"، كما أن الملف رهينة مفاوضات معمقة بين أميركا وإيران.
للحلفاء مصالح.. وأثمان
وشدد الخبير الإسرائيلي بملف إيران على أن تل أبيب ستظل قادرة على التحرك العسكري ضد إيران، في حال توفر شيء "خطير" ضد أمنها، لكن بادرو نوه بأنه لا يرى "خطراً إيرانياً وشيكاً". كما أكد إلداد باردو أن إسرائيل خاضت الحرب في الشرق الأوسط ضمن تحالف مع أميركا، وأن هذا له ثمن، وعلى إسرائيل مراعاة مصالح الحلفاء. وقلل باردو من قيمة المخاوف الإسرائيلية بشأن تمكين الاتفاق لإيران من لعب دور قوي بالشرق الأوسط، مبيناً أن الجمهورية الإسلامية في وضع اقتصادي صعب، وهذا لا يخولها بالسيطرة على الشرق الأوسط، إلى جانب زعمه أن هناك "أطرافاً فاعلة" إقليمياً كإسرائيل وتركيا بموازاة تحالفات تعيق تحول إيران إلى قوة شرق أوسطية.
"خسارتنا.. بدخول إيران إلى غرفة المفاوضات"!
بدوره، قال الباحث في معهد البحوث الأمنية الإسرائيلية يوحنان تسوريف، إن هناك تغييرات في حجم التنسيق بين المصالح الإسرائيلية الأميركية، مبيناً أن الأوساط الأمنية في تل أبيب تعتقد أن هناك أهدافاً لم تحققها في الحرب على إيران وأنها بحاجة للوصول إليها عبر استئناف القتال.
ونوه تسوريف في حديث إذاعي إلى أن هناك نظرية إسرائيلية مفادها "إذا دخلت إيران إلى غرفة المفاوضات.. فهناك خسارة"، معتبراً أن مخاوف تل أبيب لا تنحصر فقط بعدم تلبية هكذا اتفاق لمطالبها بالقضاء على مشروع إيران النووي وتقييد صواريخها الباليستية، بل أيضاً هواجسها من تحولات مقبلة في الداخل الأميركي ووصول رئيس آخر إلى البيت الأبيض بعد سنتين، على نحو يعكس تراجع تأييد الرأي العام الأميركي لإسرائيل.
وأقر تسوريف أن إشكالية إسرائيل الآن، تكمن في أن مسؤوليها لم يستمعوا للأصوات التي طالبت منذ بدء الحرب في المنطقة قبل ثلاث سنوات، بضرورة إطلاق مسار سياسي جديد مواز للمعركة العسكرية؛ بهدف تحقيق "الردع الكامل"، معتبراً أن عدم استماعها لهذه الأصوات أدى إلى خسارة إسرائيل أشياء وأدوار مؤثرة.
مع ذلك، يرى يوحنان تسوريف أن هناك وقتاً لتبلور الاتفاق النهائي، حتى لو تم توقيع مذكرة تفاهم مرحلية، وأنه حتى ذلك الحين بإمكان إسرائيل التأثير على مجريات ومضمون المفاوضات لمراعاة "مصالحها واحتياجاتها" الأمنية في أي اتفاق، خصوصاً أن جبهة لبنان ما زالت مفتوحة، بحسب تعبيره.




