قرر رئيس وزراء إسرائيل الأسبق مناحيم بيغين في الثامن والعشرين من آب/ أغسطس 1983 أن يخلع البدلة. ذهب إلى شقته، لبس البيجامة، اتّصل بالأمين العام لحكومته وقال جُملة قصيرة: "لم أعد قادراً". أَغلق الباب، ولم يخرج منه إلا إلى المستشفى ثم إلى القبر.
في الرابع عشر من أيار/ مايو 2026، قرَّر بنيامين نتنياهو أن يضع المكياج. كان قبل أسابيع يختفي عن الكاميرات، يكتفي ببيانات مصوَّرة قصيرة، ويُؤجّل لقاءاته بحجج طبّيّة. ثم في مقابلة طويلة مع برنامج "60 دقيقة"، ظهر وجهه أمام العالم تتشقّق فيه طبقات الأَصباغ، صوته يلهث أحياناً، وبعض جُمل تنقطع في منتصفها. قالت الكاتبة الإسرائيلية يوعانا غونين إن نتنياهو ظهر كـَ "زعيم متقدّم في السن، مُنهك، يختبئ تحت ثقل السلطة"، وكتب يوسي فيرتر "نتنياهو لم يظهر هكذا من قبل. كتفاه هابطتان، وقفته منحنية، ووجهه أنحف بشكل ملحوظ". فيما رأي آنشيل بفيفر في "هآرتس" في اليوم التالي من المقابلة أن "الانهيار البطيء لحكمه الأبديّ كان معروضاً بكامله أمامنا".
يفصل بين بيجامة بيغن في 1983 ومكياج نتنياهو في 2026 ما لا يقلّ عن ثلاثة وأربعين عاماً. لكنّ الذي جمعهما في حركتهما السياسية حاضنٌ واحد: حربٌ اختاراها بنفسيهما.
حروب الاختيار.. وكيف تنتهي
في كتابه الأخير، يستعير الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأميركيّ ريتشارد هاس عبارةً صكّها سياسيون أميركيون في زمن فيتنام: "حرب الاختيار"، تمييزاً لها عن "حرب الضرورة". الحرب الأولى تُشَنّ لأن قائدها قرّر أن يشنّها، لا لأنها فُرضت عليه. الحرب الثانية ردٌّ على هجومٍ لا مفرّ منه. وكلّ حروب الاختيار في التاريخ السياسي تنتهي بسؤالٍ واحد: من سيدفع الثمن السياسي حين تنتهي الحرب؟
في تاريخ إسرائيل، شنّ ثلاثة رؤساء وزراء حرب اختيار كبرى. عام 1982 خاض مناحيم بيغين عملية سلام الجليل. اخترع لها قائده العسكري الجنرال أرييل شارون أهدافاً تتمدّد: ثمانية كيلومترات، ثم أربعون، ثم بيروت. انتهت العملية بلجنة كاهان. بعد عام، استقال بيغن.
عام 2006، خاض إيهود أولمرت حرب لبنان الثانية. ثلاثة وثلاثون يوماً أنتجت القرار 1701، لم تُفكّك حزب الله ولا حررت الجندييْن المخطوفيْن. شكّلت إسرائيل "لجنة فينوغراد"، ووصمت أولمرت بالفشل الشخصي القاسي في إدارة الحرب. بعد سنتين، استقال أولمرت تحت ضغط ثلاث قضايا فساد.
العام 2026. بنيامين نتنياهو يخوض حرب إيران ويجرّ أميركا إليها، وهي حرب لم تحقق حتى الآن أي من الأهداف الأربعة المُعلَنة: إسقاط النظام، تفكيك البرنامج النووي، تدمير نظام الصواريخ الباليستية ووقف دعم الأذرع.
ثلاث حروب اختيار إذن، والزعيم الذي يختار الحرب سيُعرّض نفسه بطبيعة الحال لمحاسبة مزدوجة: محاسبة الأهداف، كما محاسبة الكُلفة.
نتنياهو: السلطة بوصفها درعاً قانونياً
ثمّة ما يفصل نتنياهو عن سلَفَيه بيغن وأولمرت، وسيجعل نهايته بعد أعقد من نهايتهما، وهو أنه قيد المحاكمة. هذا التفصيل يُحدِث فارقا جوهريّا. لقد انسحب بيغن طوعاً. لم يكن مُلاحقاً قضائياً، فاستطاع أن يختار توقيت رحيله. أولمرت قبِل الاستقالة، خضع للمحاكمة، دخل السجن 16 شهراً، خرج، ثم عاد سياسياً كمعارض. كان قادراً على الفصل بين السلطة والقضاء، لكنّ نتنياهو لا يستطيع. السلطة عنده ليست خياراً سياسياً، بل درعاً قانونياً، ولذلك فإنّ كلّ قرار اتّخذه منذ طوفان الأقصى، ثم كل قرار يتخذه منذ حرب إيران الثانية، يمكن قراءته بمنطق مختلف: ليس منطق ما هو الأفضل لإسرائيل، بل ما الذي يُؤجّل المحاكمة. حرب إيران ستفرض حالة طوارئ. اغتيال القائد العسكري لحماس في 16 أيار/ مايو الجاري سيُعطّل جلسة قضائية. كشف زيارة سرية إلى الإمارات سيملأ نشرات الأخبار بشيءٍ غير المحكمة. هذا ما يقوله بن كسبيت في معاريف، ويوسي فيرتر في هآرتس، وأمنون أبراموفيتش على القناة الثانية عشرة. ثلاثتهم يستخدمون العبارة نفسها تقريباً: القرار الأمنيّ صار قراراً قانونيّاً.
كان بيغين أيديولوجياً ينتمي إلى جيلٍ صعد من "حروب الاستقلال". شرعيّته الذاتية لم تكن في السلطة، بل في النصّ التأسيسي. عندما أخفقت حربه، لم يفقد إلّا السلطة، فاحتمل ذلك، لذلك انسحب بصمت.
أولمرت كان تكتيكياً صعد عبر تحالفات حزبية (الليكود، كاديما)، ولم ينتمِ إلى نصٍّ مؤسِّس. كان رجل دولة بالمعنى البيروقراطيّ، لا بمعنى المُؤسِّس. عندما أَخفقت حربه، احتمل أن يُحاكَم لأنه لم يكن مُتطابقاً مع منصبه نفسيّاً. لكن نتنياهو ينتمي إلى صنف ثالث. ليس مُؤسِّساً أيديولوجياً ولا بيروقراطياً تكتيكياً، بل سياسيٌّ بمعنى السلطة بوصفها هويّة. عاش في كرسي رئاسة الوزراء خمسة عشر عاماً متقطّعة. كتب آنشيل بفيفر في عمود سابق إن نتنياهو يؤمن أنه خلق إسرائيل الحديثة، وأن ما قبله كان فوضى ديمقراطية، وأن ما بعده سيكون فوضى مماثلة. زعيمٌ يرى نفسه على هذا النحو لا يستقيل..ولكن!
في الثاني عشر من أيار/ مايو الجاري، قَرَّر اثنان من قادة الأحزاب الحريديم ما لم يكن يتجرّأ أحد على قوله قبل عامين: "لم نعد نثق بنتنياهو". بيان حزب "ديغل هتوراه" كان قاطعاً: يجب حلّ الكنيست فوراً. كان السبب المعلن تجميد قانون إعفاء طلّاب اليشيفا من التجنيد الإجباري، أما السبب الحقيقيّ، كما يقول من يعرف هذا الوسط، فهو أن الحريديم يستشعرون أن السفينة تغرق، ويريدون أن يكونوا في قارب نجاة الانتخابات قبل أن تجرفهم الموجة.
في العشرين من الشهر نفسه، صوَّت الكنيست بالقراءة التمهيديّة على مشروع قانون لحلّ نفسه. وهو وإن مرّ بالفعل، إلا أنه يحتاج إلى ثلاث قراءات أخرى، على أن تجرى الانتخابات خلال فترة تتراوح بين 90 يوماً وخمسة أشهر بعد إقراره النهائيّ. عملياً، القطار غادر المحطّة ولم يعد بإمكان نتنياهو إيقافه. صار بإمكانه فقط أَن يختار: هل يقفز قبل الوصول، أم ينزل في المحطّة الأخيرة محمولاً؟
ترامب ونتنياهو.. من يحتاج الآخر أكثر
على أن موعد الانتخابات الإسرائيليّة المقبلة قد لا يقرّره نتنياهو وحده. كشف تقرير "إسرائيل اليوم" في الخامس من أيار/ مايو الجاري أنه إذا قرَّر ترامب توجيه ضربة جديدة لإيران، فإن إسرائيل ستدخل حالة طوارئ، وسيُؤجَّل حلّ الكنيست، وستُجرى الانتخابات في السابع والعشرين من تشرين الأوّل/ أكتوبر المقبل، وهو الموعد الرسمي لها. أمّا إذا قَرَّر ترامب التهدئة والصفقة، فسيقبل نتنياهو انتخابات الأول من أيلول/ سبتمبر. في التاسع عشر من أيار/ مايو الجاري أمضى نتنياهو ساعةً ونصف على الهاتف مع ترامب. كان الموضوع "خطاب نوايا" أَعدَّته قطر وباكستان لتوقيعه بين واشنطن وطهران يُنهي الحرب رسميّاً، ويفتح ثلاثين يوماً من المفاوضات على الملفّ النوويّ وهرمز. بحسب إكسيوس، "شَعر نتنياهو في تلك المكالمة كأنّ شعره يشتعل". وقد قال ترامب في اليوم نفسه: "نتنياهو سيفعل ما أُريده أَن يفعله"!
سيكون السؤال مُلحّاً هنا في خضمّ الأجواء الراهنة الأميركية الإيرانية: هل يتخلّى ترامب عن نتنياهو من أَجل صفقته؟ أَو هل يتخلّى نتنياهو عن ترامب من أَجل بقائه السياسي؟ في الفصل الأَخير من كلّ علاقة شراكة، يكون كلٌّ من الطرفين قيد المُساومة على الآخر. ترامب يحتاج إلى إنجاز يبرّر حربه من قبيل الصفقة مع إيران، فيما نتنياهو يحتاج إلى استمرار الحرب لتأجيل الانتخابات والمحكمة معاً. في صفقة من هذا النوع، لا بدّ أن ينكسر أحدهما. وقد أورد تقرير لشبكة سي إن إن في الثاني عشر من أيار/ مايو، أن "إسرائيل قلقة من أَن يعقد ترامب صفقةً سيّئة". قد يضحّي ترامب فعلاً بنتنياهو لأنه يملك بدائل، فيما نتنياهو لا يملكها.
لكن ماذا لو وقَّع ترامب فعلاً صفقةً تَفرض وقف نار شاملاً على كلّ الجبهات في إيران ولبنان وغزّة؟ ماذا لو طُلب من نتنياهو الالتزام به وهو لا يُريد؟ هل يملك من الأَدوات ما يكفي لتخريب الصَّفقة من داخل التزامه بها؟ تاريخ الثامن من نيسان/ أبريل الماضي يُجيب، أو ما سيُعرف لاحقاً بالأربعاء الأسود. كَتبت ذا إنترسبت في اليوم التالي عنواناً واحداً: "إسرائيل المُخرِّبة: نتنياهو يُفجِّر هدنة إيران". هذه السابقة تبرز نوعاً ما كقاعدة، وتضع أَمامنا أَربعة سيناريوهات للأَيام المُقبلة.
كيف قد يفجّر نتنياهو التسوية؟
السيناريو الأَوَّل: يُوقّع نتنياهو الصفقة المتعدّدة الجبهات تحت ضغط ترامب، ثمّ يُخالفها على الجبهة اللبنانيّة كما فَعل في نيسان. اغتيالات محدودة لقيادات حزب الله، ضربات "استباقيّة" في الجنوب، ادّعاء أنّ المُقاتلين يُعيدون التسلّح، والهدف هو إبقاء البلاد على إيقاع حرب جزئيّ يكفي لتأجيل الانتخابات، أو على الأَقلّ تعبئة جمهوره اليمينيّ قبلها. كلفة هذا السيناريو على ترامب صفر تقريباً، فهو يستطيع أَن يُعلن صفقة تاريخية ويُغمض عينيه عن خرقها التدريجي.
السيناريو الثاني: يفعل الشيء نفسه لكن على جبهة غزّة. اغتيال قيادات لحماس على نمط ما فعله في السادس عشر من أيار الجاري. إعلان استئناف العمليّات "لاستكمال النصر". أَدوات هذا السيناريو أَسهل، لأنّ التغطية الدوليّة لإسرائيل في غزّة أَوسع، ولأنّ ترامب نفسه لا يكترث كثيراً لما يحدث في القطاع، ولأنّ حماس بعد سنتين من الحرب باتت أَضعف من أَن تُملي شرطاً.
السيناريو الثالث، وهو الأَقلّ احتمالاً وَلكنّه ليس مستبعداً: ضربة إسرائيليّة منفردة لإيران. هذا السيناريو يفرض على ترامب أَن يختار بين تأييد الضربة وتفجير التسوية أو إدانتها وتفجير علاقته بنتنياهو. في كلتا الحالتين، يتسبَّب نتنياهو في إنهاء التسوية دون أَن يكون هو من أَلغاها رسميّاً. عمليّة بهذا الحجم قد تكون انتحاراً، وقد تكون نجاة.
السيناريو الرابع: يلتزم نتنياهو بالصَّفقة كاملةً، يخسر الانتخابات، ويُحيل أَمره إلى المعارضة. هذا السيناريو يفترض شَخصيّةً مختلفة عن شخصيّته، ولذلك سيظلّ مستبعداً. وما ينتظرنا نحن في الجوار ليس سؤال هل تنتهي الحرب وإنما بأي ثمن تنتهي، لأن نهاية الحرب على إيقاع التسوية الأَميركية الإيرانية قد لا تأتي بسلام موزّع على الإقليم، بل مع تصعيدٍ جزئي تختار إسرائيل توقيته ومكانه.
لكن في ما يتعلّق بالمشهد الداخلي في إسرائيل، فإنه لا يُطرح في تل أبيب سؤال هل سيخسر نتنياهو، بل بأيّ قدر. والأهمّ: هل سيقبل نتائج الانتخابات إن خسرها؟ وهنا، تبدو السيناريوهات أمام نتنياهو في حال إجراء الانتخابات وكأنها مفتوحة على ثلاثة. الأوّل أن يخسرها بفارق كافٍ ليقبل بالنتيجة، فينسحب إلى المعارضة ويتفرّغ لمحاكمته. وهذا الأقلّ احتمالاً. الثاني وهو الأخطر والأكثر احتمالاً: أن يخسر بفارقٍ ضيّق، فيطعن في النتائج ويحاول إعادة بناء الائتلاف من المنشقّين عن "معاً" (دمج نفتالي بينيت ويائير لبيد حزبيهما في كيانٍ واحد أسموه "معاً") وأحزاب يمين هامشيّة. أما الثالث فيخسر صراحةً ويرفض تسليم السلطة، وهو السيناريو الذي حذَّر منه نفتالي بينيت نفسه في أيلول/ سبتمبر 2025 حين قال: "رُبّما يَدَّعي نتنياهو أنّ الانتخابات مزوَّرة، ويحاول منع نقل السلطة. لا يجب أَن نستهين بهذا الاحتمال".
ما بعد نتنياهو: تغيير في الأسلوب لا في الجوهر
في المقابل، إذا خسر نتنياهو فعلاً ورحل، وتشكلت حكومة بينيت-لبيد، فإنها لن تكون حمائمية وإن ظهرت أكثر براغماتية وأقلّ ميلاً إلى المغامرات الكبرى. الفارق الجوهريّ سيكون في نمط القرار فقط: نتنياهو يتّخذ قرارات أمنية بطعمٍ شخصيّ انتخابيّ. حكومة بينيت-لبيد ستتّخذ قرارات أمنية أكثر منهجيّة، أقلّ دراميّة، وأطول نفساً. لكن حكومة أكثر هدوءاً قد تعني حصاراً أكثر صبراً على غزّة، وضغطاً أكثر منهجيّة على حزب الله، ومفاوضات أَطول مع لبنان. ليست أكثر إنسانيّة طبعاً، بل أكثر بيروقراطية فقط.
عودٌ على مشهد البداية. بيغن في بيجامة يُغلق الباب على شقته. أولمرت في قفص الاتّهام يستلم ورقة الإدانة. نتنياهو في مكياج يتحدّث إلى الكاميرا فيما تتشقّق الطبقات أمام الضوء.. ثلاث صور لثلاث نهايات. لكنّ النهاية الثالثة ستكون الأطول والأقسى لأن صاحبها لن يقبلها. سيُقاوم إلى أَن يُهزَم. وفي مقاومته، قد يزيد العالم احتراقاً.




