الأبعاد السياسية لمؤتمر فتح التنظيمي

ناصر زيدانالسبت 2026/05/23
رام الله مؤتمر فتح الثامن محمود عباس Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

كانت الانتخابات البلدية التي جرت في بالضفة الغربية، ودير البلح في قطاع غزة، في 25 نيسان/ أبريل الماضي؛ بمثابة "بروفا" تجريبية لما حصل في المؤتمر الثامن لحركة "فتح" في 14 أيار/ مايو الجاري، ذلك أن السِمات العامة التي دمغت نتائج الحراك الأول، طفت على سطح نتائج الحراك التنظيمي الثاني، والفلك التي تدور في فضائه "الأوليغارشية" الأولى بدا ذاته فلك الثانية على نطاقٍ أوسع، ولولا وجود السجين المناضل مروان البرغوتي كرمز كفاحي، ومعه زكريا الزبيدي بطل "المقاومة الجنينية" الصافية في اللجنة المركزية الجديدة؛ لكنا تأكدنا من دون أي تحفُّظ، أن النُخب الفلسطينية التي تتحضَّر لتولي مهام القيادة لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، من الطراز التكنوقراطي الخالص، وتغلُب على أهوائهم النشاطات البراغماتية التي يُجيدُها رجال الأعمال.

 

نجح أبو مازن في توليف همروجة شعبية تحت المظلَّة الإصلاحية، وهو كان قد وعد بإجرائها في خطابة أمام القمة العربية الاستثنائية التي عقدت مطلع آذار/ مارس 2025 في القاهرة، وكان ذلك بناءً على رغبة عدد من الزعماء العرب، من بينهم الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبدالله الثاني، لكن الهمروجة لم تكُن بالمستوى الذي انتظرته شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، حيث وصل الأمر ببعض الرموز التاريخية لاعتبار ما جرى عملاً إقصائياً للمناضلين المخضرمين المُتمسكين بقدسية القضية، ومَن تبقى منهم في صفوف اللجنة المركزية والمجلس الثوري؛ غير قادرين على فرض الإرادة التحرُرية الخالصة، وتركيبة أسماء المجلس الثوري جاءت جديدة بنسبة 95 في المئة (76 من أصل 80 عضو) وانتخابات اللجنة المركزية أبقت 9 من القدماء المقربين من عباس، وصعَّدت 9 من الليبراليين الجُدُد بينهم ياسر محمود عباس، وقد أثار فوزه بالمقعد خوفاً من جنوح حركة فتح نحو اعتماد التوريث بالقيادة. ومع غياب جيل المواجهة عن الساحة، يكاد يكون عنصر الشباب والنساء شبه مغيَّب أيضاً.

 

النُخب التي كانت محسوبة على الخط "العرفاتي" – بما فيهم ابن شقيقة أبو عمار، وزير الخارجية الأسبق ناصر القدورة، انكفأت أو أُُقصيت. وكوادر الساحة الأردنية لم يُشاركوا في المؤتمر، أو لم يُفسح لهم المجال للمشاركة. والمراقبون المتابعون يرون أن ذلك ليس من باب المصادفة على الاطلاق، وربما يكون خلف الأمر اتجاه لتجنُّب سماع صدى أصوات الذين ما زالوا يعتبرون فلسطين قضية ووطن وشعب وإرادة، مقابل إفساح المجال لخطابات المُهادنة مع الاحتلال التي تدور حول كيفية تحسين إدارة السلطة في سياقها المدني، أو المحلي، وتجاهل الشعارات الوطنية المبدئية التي حملتها الحركة طيلة ما يزيد عن 60 عاماً، والتي تتحدث عن حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

 

وتجاهل طرح برنامج سياسي مستقبلي واضح خلال جلسات المؤتمر؛ أعطى الخطوة التنظيمية أبعاداً سياسية كبيرة، وأشعل خوفاً لدى سكان مخيمات شمال الضفة الذين طردوا من منازلهم قبل عام، ولم يؤتى على ذكر ضرورة عودتهم وإعمار مخيماتهم، كما أثار نقزة لدى فلسطينيي مدينة القدس الذين حُرِموا من المشاركة في العمليات الانتخابات وقد يتكرَّس ذلك في المستقبل. وقد ساعد على زيادة منسوب الخشية من وجود أبعاد سياسية لإغفال الموضوعات الوطنية، تركيز الخطباء على قضايا إدارية وخدماتية. وبالفعل فقد تمحورت طموحات المؤثرين في المؤتمر، على كيفية تحصيل الأموال المحجوزة لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي لصالح حكومة رام الله، وعلى إعادة الدور للسلطات البلدية في إصدار رخص البناء والحدّ من تمادي اعتداءات العناصر الراديكالية من المستوطنين المدججين بالسلاح. وغابت الرؤية الثورية عن خطابات غالبية المتداخلين، كما انحصر الاهتمام بتحقيق الوحدة الوطنية وبكيفية تفعيل العلاقة مع الفصائل الفلسطينية الأخرى الى الحدود الدنيا.

 

تحريك الركود التنظيمي الذي سيطر على حركة فتح ما يزيد عن 10 سنوات؛ لا يكفي برأي بعض النُخب الفلسطينية لإنهاء حالة الإحباط التي سيطرت بعد مجزرة غزَّة، وهو لن يُخرِج القضية النبيلة من أدراج النسيان. وتنامي التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني، والذي وصل الى حد اعتراف 166 دولة من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، يحتاج الى مواكبة سياسية فاعلة لا تؤمنها عقلية "الإدارة الذاتية" التي تتحكَّم برؤى غالبية المحظيين الذين هُيئوا لكي ينتخبهم كوادر المؤتمر الـ 2600. ولا يكفي في هذا السياق الاعتماد على الدعم العربي فقط، والدول العربية التي قادت عملية توسيع منسوب الاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ تحتاج لمواكبة فاعلة من الداخل، وهي لا يمكن أن تحلّ مكان ممثلي الشعب الفلسطيني.

ونتائج المؤتمر لم تُحدد بوضوح الموقف من مشروع "مجلس السلام" الأميركي الذي بدأ تنفيذه مبتوراً في قطاع غزة. كما لم تعطى الثوابت الوطنية الأهمية الكافية، لا سيما منها موضوع الدولة المستقتلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس. 

هل تمَّ تأجيل الاهتمام بالبعد السياسي والوطني في المؤتمر الى استحقاق الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستجري بعد 6 أشهر؟ أم أن ما جرى في مؤتمر فتح هو أيضاً "بروفا" لما سيحصل في الاستحقاقات المقبلة؟ أسئلة مشروعة لها أبعادها السياسية الكبيرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث