في خطوة لافتة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية متداخلة، شاركت سوريا في اجتماع وزراء مالية مجموعة السبع الذي انعقد في العاصمة الفرنسية باريس، في 19 أيار/ مايو الجاري، ضمن حضور وصف بأنه غير مسبوق منذ عقود من القطيعة مع هذا المستوى من الاجتماعات الاقتصادية الغربية، وهذا ما يعكس تحوّلاً تدريجياً في مقاربة الملف السوري دولياً.
وجاءت المشاركة عبر وزير المالية محمد يسر برنية في اجتماع مغلق ضم وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع، وبحضور رفيع شمل رئيس البنك الدولي والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي، بدعوة من الرئاسة الفرنسية للمجموعة، في سياق التحضير لقمة قادة المجموعة المرتقبة.
ملف الإصلاحات على الطاولة الدولية
وخلال الاجتماع، عرض الوزير السوري مسار الإصلاحات المالية التي تعمل عليها الحكومة، إلى جانب استعراض أبرز التحديات الاقتصادية الراهنة، مؤكداً توجه دمشق نحو تعزيز اندماجها في النظامين المالي والاقتصادي العالمي، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة تدعم مسار إعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
وتشير هذه المشاركة إلى عودة تدريجية لفتح قنوات التواصل بين دمشق والمؤسسات المالية الدولية، بعد سنوات من العزلة التي حدّت من حضور سوريا في الفضاء الاقتصادي العالمي، كما تعكس اهتماماً متزايداً من القوى الاقتصادية الكبرى بملف الاستقرار وإعادة الإعمار.
وتأتي هذه التطورات في وقت يناقش فيه وزراء مالية مجموعة السبع ملفات الاقتصاد العالمي، والتوترات التجارية، وتداعيات النزاعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وهذا ما يضع الملف السوري ضمن سياق دولي أوسع يتعلق بإعادة تشكيل موازين الاستقرار الاقتصادي.
كما نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر مطلعة، أن مشاركة سوريا تأتي ضمن التحضيرات لقمة قادة مجموعة السبع في حزيران/ يونيو المقبل، حيث يُتوقع أن تتركز النقاشات على مسار التعافي المستدام وإعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي.
دلالات رمزية تتجاوز الطابع البروتوكولي
ويرى مراقبون أن مجرد حضور سوريا إلى طاولة تجمع أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم يمثل تحولاً في طبيعة التعاطي الدولي مع الملف السوري، حتى وإن ظل ضمن إطار الانفتاح الحذر غير المكتمل.
وفي هذا السياق، قال الباحث والخبير في التخطيط الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي، لـِ "المدن"، إن "مشاركة سوريا في المحادثات، تحمل دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي، فهي تعكس بداية انفتاح حذر من المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية على دمشق، ومحاولة لاختبار إمكانية إعادة دمج سوريا تدريجياً ضمن النظام المالي العالمي بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات والاضطراب الاقتصادي".
وتابع: "لكن هذه المشاركة لا تعني بالضرورة تحولاً جذرياً أو اعترافاً كاملاً بعودة سوريا إلى المنظومة الاقتصادية الدولية، بل تشير إلى مرحلة (جس نبض)، مرتبطة بقدرة الدولة السورية على تقديم إصلاحات مالية ومصرفية وإدارية تفتح الباب أمام التعاون والاستثمار وإعادة الإعمار مستقبلاً".
كما تكشف المشاركة، حسب الحمدي، عن حراك سوري متزايد في الملف المالي، سواء عبر تحديث التشريعات الاقتصادية، أو محاولة إعادة تنظيم القطاع المصرفي والجمارك والتجارة الخارجية، بهدف إرسال رسائل طمأنة للخارج بأن دمشق تسعى للانتقال من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد أكثر قابلية للتعامل الدولي.
وبالرغم من الرمزية السياسية المهمة، فإن ترجمة هذا الانفتاح إلى نتائج ملموسة تبقى مرتبطة بالإصلاح الداخلي والاستقرار السياسي والقدرة على بناء ثقة اقتصادية حقيقية، وفق تعبيره.
تموضع انتقالي في المعادلة الاقتصادية العالمية
من جهته، يقول الاستشاري في الشؤون السياسية سامر الصفدي، لـِ "المدن"، إنَّ "مشاركة سوريا في محادثات وزراء مالية مجموعة السبع تعكس تحولاً سياسياً واقتصادياً لافتاً في طريقة مقاربة المجتمع الدولي للملف السوري، هذه المشاركة تحمل دلالة واضحة على وجود استعداد دولي لإعادة دمج سوريا اقتصادياً ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة".
ورأى أنَّ "التموضع السوري الحالي في المعادلة الاقتصادية العالمية، يمكن وصفه بأنه تموضع انتقالي وحذر، إذ إنَّ سوريا لم تعد في موقع القطيعة الكاملة كما كان الحال خلال السنوات الماضية، وهناك محاولة سورية لإعادة بناء شبكة علاقات اقتصادية متعددة الاتجاهات، تجمع بين الانفتاح العربي، واستعادة قنوات التواصل مع المؤسسات الدولية، والاستفادة من التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة". وقال إنَّ "هذا التموضع يعتمد على أهمية الموقع الجغرافي السوري، والدور السياسي الإقليمي، وإمكانية تحول سوريا مستقبلاً إلى ساحة استثمار وإعادة إعمار".
أما على مستوى الحراك السوري في القطاع المالي، وفق الصفدي، فدمشق هي الآن في مرحلة إعادة ترتيب أمورها الاقتصادية والمالية و هناك تركيز متزايد على تحديث البنية المصرفية، وتطوير آليات التحويلات والتبادل التجاري، وفتح قنوات تواصل مع مؤسسات وشركات مالية عربية ودولية، إلى جانب السعي لإعادة الثقة بالقطاع المصرفي السوري.
وختم قائلاً: "إنَّ ما يجري اليوم هو بداية مسار سياسي اقتصادي جديد، لم تتضح نتائجه النهائية بعد، لكنه يعكس بوضوح أنَّ سوريا تحاول الانتقال من مرحلة عدم الاستقرار إلى موقع الدولة الساعية للعودة إلى النظام الاقتصادي الإقليمي والدولي".




