جاءت الأنباء عن تحركات عسكرية أجرتها القوات التركية في بعض القواعد شمال مدينة الرقة، لتعزز التوقعات بتغيير أنقرة لدورها العسكري في سوريا.
وحسب ما ذكرت مصادر، نقلت القوات التركية معدات عسكرية من قاعدة صيدا قرب عين عيسى إلى قواعد قريبة من الشريط الحدودي، وهو الأمر الذي أدرجته مصادر "المدن"، ضمن عمليات "إعادة الانتشار" التي تجريها القوات التركية بشكل دوري، مؤكدةً أن "التحركات ليست انسحاباً بالمعنى العسكري".
واستبعدت المصادر نفسها أي انسحاب للقواعد التركية، مفسرةً ذلكَ بعدم زوال "خطر" قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مؤكدةً أنَّ مهمة القواعد التركية في الشمال السوري لن تنتهي ما لم يكتمل مشروع دمج قسد بالدولة السورية.
ويقول الأكاديمي والباحث المتخصّص بالشؤون التركية ماهر التمران، إنَّ أنقرة تنتقل تدريجياً من مرحلة "إدارة الصراع الميداني" إلى مرحلة "إدارة الترتيبات السياسية والأمنية" في شمال شرق سوريا، وهي مرحلة تختلف أدواتها وحساباتها جذرياً عن السنوات السابقة.
ويضيف لـِ "المدن"، أنَّ التحركات التركية قرب عين عيسى تعكس إعادة تعريف لأولويات الانتشار التركي، حيث تدرك أنقرة أنَّ البيئة الإقليمية تغيرت، وأنَّ المعادلة السورية لم تعد قائمة فقط على منع التمدد الكردي المسلح، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بإعادة تشكيل بنية النفوذ في سوريا بعد التفاهمات الإقليمية المتسارعة، ومحاولات إعادة إنتاج الدولة السورية المركزية، وتراجع هامش الحركة الأميركي في بعض الملفات السورية.
رسالة تركية مزدوجة
ضمن هذا السياق، فإن تخفيف الوجود في بعض النقاط قد يكون رسالة مزدوجة، كما يقرأ التمران، الأولى موجهة إلى واشنطن بأن تركيا قادرة على إعادة ضبط قواعد الاشتباك شمال سوريا وفق مصالحها الاستراتيجية، والثانية موجهة إلى قسد بأن أنقرة تفتح نافذة لاختبار مسار مختلف عن المقاربة العسكرية الصرف.
ويبرز في هذا الاتجاه، الحديث عن زيارة مرتقبة يجريها قائد "قسد" مظلوم عبدي إلى تركيا، للقاء زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، بحسب تأكيد عبدي لصحيفة "المونيتور".
ولا يمكن عزل، التحركات العسكرية التركية عن زيارة عبدي لتركيا، من وجهة نظر الكاتب والمحلل السياسي التركي عبد الله سليمان أوغلو، الذي يرى أن تركيا ترى "إيجابية" في التطورات التي تجري في مناطق شمال شرق سوريا.
ويضيف لـِ "المدن"، أنه من الواضح أن أنقرة تدعم اتفاق الاندماج بين "قسد" والدولة السورية، بالرغم من بطء التقدم في الملف، ومن هنا قد تصب الزيارة المرتقبة لعبدي إلى تركيا في مصلحة سوريا وتركيا والمنطقة عموماً.
ووفق المحلل السياسي التركي، فإن تركيا تعتقد أن السلام في سوريا يخدم المنطقة، بعد أن أدركت جميع الأطراف خطورة عدم الاستقرار، والصراع القومي، خصوصاً أن أوجلان كان قد أعلن انتقاله من العمل المسلح إلى العمل السياسي.
تركيا حذرة
في المقابل، لا يزال من المبكر الحديث عن تحول استراتيجي كامل في العلاقة التركية ـ الكردية داخل سوريا، كما يؤكد التمران، الذي يوضح أن "العقيدة الأمنية التركية لا تزال تعتبر البنية العسكرية لقسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني، كما أن المؤسسة السياسية التركية تدرك حساسية أي انفتاح معلن على قسد داخليا، خصوصاً في ظل التوازنات القومية داخل تركيا".
ويتابع أن "أنقرة تدرك أن قسد لم تعد مجرد تشكيل عسكري محلي، بل أصبحت جزءاً من معادلة دولية وإقليمية معقدة تشمل الولايات المتحدة، والعراق، وإقليم كردستان، وحتى بعض العواصم الأوروبية، لذلك فإن تركيا تسعى وتحاول إعادة هندسة العلاقة مع قسد لكن بحذر".
ويمكن ملاحظة تغير اللهجة التركية حيال "قسد" مؤخراً، من خلال غياب الانتقادات التركية للبطء في ملف الدمج بالدولة السورية، فضلاً عن التهديدات التي اعتادت أنقرة توجيهها ضد "قسد".




