أثار نشر تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" حول محاولة أميركا وإسرائيل تنصيب الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، على رأس إيران، أثناء عدوانهما على إيران في شباط/ فبراير الماضي، ردود فعل متباينة. وجاء في التقرير أن الطائرات الأميركية قامت بقصف موقع حراس منزل أحمدي نجاد، الذي كان بمثابة محل إقامته الجبري بشكل غير رسمي، مما أتاح له فرصة الهروب من مراقبة الحراس، بهدف تهيئة الظروف لوصوله إلى السلطة، وكانوا قد نسقوا معه قبل شن الحرب.
الأحداث المذكورة في هذا التقرير هي معلومات دقيقة. كان منزل أحمدي نجاد على بعد حوالي مئتي متر من موقع تمركز حراس الحماية، وقد قُتل ثلاثة منهم أثناء القصف، لكن أحمدي نجاد لم يصَب بأذى. يُقال إنه بعد هذا القصف توقفت سيارة أمام باب منزله، أقلته وذهبت به الى مكان مجهول. وبعد إعلان استشهاد المرشد الايراني علي خامنئي، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية أيضاً استشهاد أحمدي نجاد، لكنه وضع حداً للشائعات حول مقتله من خلال رسالة تعزية نشرها بمناسبة استشهاد خامنئي.
أنصار رضا بهلوي غاضبون
أظهر أنصار نجل الشاه رضا بهلوي، الذين نظموا في الأشهر التي سبقت الحرب تجمعات احتجاجية ضخمة في المدن الأوروبية ضد الجمهورية الإسلامية، وتمكنوا من حشد العديد من المسؤولين الأميركيين مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، ردود فعل مختلفة إزاء تقرير "نيويورك تايمز". ففريق غضب بشدة من نشر هذا التقرير واعتبره كذباً، ووجهوا الشتائم للصحافية الإيرانية فرناز فصيحي، إحدى الكتاب الأربع للتقرير، متهمين إياها بالاختلاق ونسج الاوهام، لأنهم لا يصدقون أن أميركا كانت تنوي تمكين أحمدي نجاد بدلاً من رضا بهلوي. وفريق آخر شعر بخيبة أمل كبيرة لأن هذا التقرير يُظهر أن أميركا، خلافاً للوعود التي قطعتها للملكيين، لم تكن جادة في دعمها لبهلوي، وكانت تفضل بعد إسقاط النظام أن تمكن أحد مسؤولي النظام الحالي من الوصول إلى السلطة، وهذا دليل على نفاق الأميركيين.
كما اعتبرت كريستيان أمانبور، الصحافية الإيرانية الأصل في "سي إن إن"، تقرير "نيويورك تايمز" لا أساس له من الصحة، مشيرةً في هذا السياق إلى مواقف أحمدي نجاد المتشددة ضد أميركا وإسرائيل.
ما تراه أمانبور دليلاً على براءة أحمدي نجاد من تهمة الارتباط بإسرائيل، يمكن أن يكون دليلاً على الارتباط. فإن عقد عدة مؤتمرات دولية لإنكار الهولوكوست خلال سنوات رئاسة أحمدي نجاد وتحت رعايته، وشعاراته المتطرفة حول تدمير إسرائيل بالكامل، لم تكن مفيدة إلا لهذا النظام المحتل، ولم تخدم الشعب الفلسطيني ولا الجمهورية الإسلامية، بل دفعت العالم، خصوصاً الغرب، إلى الإجماع ضد إيران باعتبارها مصدر تهديد للسلام في الشرق الأوسط. كما زاد أداء أحمدي نجاد في الملف النووي من شعور المجتمع الدولي بالتهديد. في الفترة الأولى من رئاسته، عندما كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الراحل علي لاريجاني، يتفاوض مع مجموعة 5+1 منذ عام 2006 وكان قد اقترب من اتفاق، أقاله أحمدي نجاد لمنع التوصل إلى اتفاق نووي.
ما ذا قال لاريجاني عن أحمدي نجاد؟
في خطاب لعلي لاريجاني ألقاه في العام 2013 وهو لا يزال متاحاً على موقع "تابناك" الإيراني، قال إن إنكار أحمدي نجاد للهولوكوست كلّف إيران الكثير، معتبراً أن هذه القضية التاريخية يمكن أن تكون موضوعاً للمؤرخين في النفي والإثبات وليس للحكومة. كما شرح لاريجاني خلافه مع أحمدي نجاد بشأن القضية النووية وإقالته من منصبه قائلاً: "عندما كنا نتفاوض مع المنسق الأوروبي للسياسة الخارجية خافيير سولانا، كانت إيران تمتلك فقط ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي، وكان سولانا يصر على أن تكتفي إيران بهذا العدد، لكننا كنا نهدف إلى 50 ألف جهاز طرد مركزي. لكن أحمدي نجاد أعلن فجأة أن إيران تعتزم إنشاء عشرة مصانع، يضم كل منها 50 ألف جهاز طرد مركزي، في حين أننا لم نكن بحاجة إلى هذا العدد الكبير من المصانع ولا من المعقول بناء عشرة مصانع، كما أن موارد اليورانيوم في إيران محدودة، ومصنع واحد بخمسين ألف جهاز طرد مركزي كان سيلبي احتياجاتنا، وبعد سبع سنوات لم نبنِ تلك المصانع العشرة، لكن تم استغلال تصريحاته".
وتظهر تصريحات لاريجاني الذي اغتالته إسرائيل في الحرب الأخيرة، بأنه لم يكن يثق بأحمدي نجاد.
سر عدم إدانة الإبادة الجماعية في غزة
أحمدي نجاد الذي كان يرفع في يوم من الأيام وهو على كرسي الرئاسة الإيرانية شعار تدمير إسرائيل بالكامل وإنكار الهولوكوست، لم يدِن هذه الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل خلال أكثر من عامين من الإبادة الجماعية في غزة، بل خلال الحربين الأخيرتين عندما تعرضت إيران لهجوم من إسرائيل وأميركا، اكتفى بالإشارة إليهما بوصفهما "هجوماً عسكرياً" وليس "عدواناً عسكرياً".
طمع العودة إلى السلطة
منذ اليوم الذي انتهت فيه ولايته الرئاسية الثانية، ظل أحمدي نجاد يحلم بالعودة إلى السلطة، بل ترشح للرئاسة لولاية ثالثة لكن مجلس صيانة الدستور رفض أهليته. ولتعزيز مكانته الشعبية، وجّه الرجل انتقادات حادة لمسؤولي النظام، وتحدث مراراً عن الفساد بين المسؤولين، وعدم كفاءة النظام والقيادة، وأضفى على خطاباته التي كانت تبدأ سابقاً بأدعية عربية وإسلامية واستشهادية وحربية، طابعاً عالمياً وسلمياً وقومياً، وابتعد كثيراً عن هدف تدمير إسرائيل لدرجة أنه تغاضى بسهولة عن الإبادة الجماعية في غزة.
وفقاً لبعض استطلاعات الرأي التي أجريت قبل الحرب الأخيرة، يتمتع أحمدي نجاد بشعبية جيدة بين الطبقات الدنيا اقتصادياً في المجتمع الإيراني، وليس من الغريب أن يختاره الإسرائيليون لخلافة علي خامنئي، لكنه لا يحظى بمكانة تذكر بين النخب السياسية والاجتماعية والعسكريين، لأنه ببساطة ليس لديه أساس فكري وسياسي واضح المعالم. يبدو أن أحمدي نجاد يرحب بأي سلّم يصعده إلى السلطة حتى لو كان إسرائيلياً.




