ليست المسألة الإيرانية، في جوهرها، صراعاً عابراً على النفوذ أو مناورة تكتيكية في إقليم مضطرب. إنها، قبل كل شيء، مسألة بقاء نظام. فطهران لا تنظر إلى المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة بوصفها نزاعاً تقليدياً يمكن إدارته بالتفاوض أو الردع المتبادل فقط، بل تراها معركة مفتوحة على مستقبل النظام نفسه. ومن هنا، أرى أن البرنامج النووي الإيراني يصبح أكثر من مشروع عسكري أو ورقة تفاوضية؛ إنه ضمانة محتملة لاستمرارية النظام.
لقد تعرضت إيران لضربات عسكرية موجعة، واستهدفت منشاتها وقادتها وشبكاتها الإقليمية، لكنها سرعان ما تتحرك لترميم ما تضرر، وإعادة بناء ما فقد. هذه القدرة على التعافي لا تعني أن الضربات بلا أثر، لكنها تكشف أن بنية القرار الإيراني لا تزال متمسكة بأولويتين مركزيتين، حماية النظام من السقوط، والمضي في امتلاك قدرة نووية تمنع الخصوم من التفكير مستقبلًا في إسقاطه.
3 ركائز
منذ الثورة الإسلامية، بنى النظام الإيراني شرعيته على ثلاث ركائز، العداء للغرب وإسرائيل، والسيطرة الأمنية الداخلية، وتوسيع النفوذ عبر أذرع إقليمية بغية حماية نفسه. لكن الحروب الأخيرة أظهرت هشاشة بعض هذه الركائز. فالأذرع يمكن أن تستنزف، وطرق الإمداد يمكن أن تقطع، والقادة يمكن أن يستهدفوا، والشارع الداخلي يبقى قابلاً للاشتعال عند كل أزمة اقتصادية أو سياسية. في مواجهة هذا كله، يبدو الخيار النووي، أو القدرة السريعة على إنتاج القنبلة، بوليصة التأمين الأخيرة لنظام.
طهران تقرأ تجارب الآخرين جيداً. فالأنظمة التي افتقدت ردعاً حاسماً، كالعراق في عهد صدام حسين وليبيا في عهد معمر القذافي، بقيت عرضة للعقوبات والضربات والتدخلات ومحاولات التغيير. أما من امتلك قدرة ردع قصوى، مثل كوريا الشمالية، فقد فرض على خصومه حسابات مختلفة. لذلك، لا ترى القيادة الإيرانية في السلاح النووي وسيلة للهجوم فحسب، بل درعاً سياسياً ونفسياً وعسكرياً. لذلك، من الممكن ضرب إيران، لكن لا يمكن إخضاعها أو إسقاط نظامها من دون كلفة لا يحتملها أحد.
الضربات الجوية لا تكفي
إن اعتماد الولايات المتحدة وإسرائيل على الضربات الجوية وحدها غير كافٍ لتغيير هذه المعادلة. فجزء أساسي من البنية النووية والصاروخية الإيرانية بات محصناً في منشآت عميقة ومعقدة. كما أن طهران عملت على توزيع مراكز القيادة، وتقليل أثر استهداف القادة، ومنح قيادات ميدانية قدرة أوسع على الرد. هذا يعني أن إيران لم تكن تستعد فقط لتلقي الضربة الأولى، بل كانت تستعد للاستمرار بعدها، وتحويل الحرب إلى أزمة إقليمية ودولية أوسع.
في هذا السياق، يصبح السلاح النووي بالنسبة إلى إيران تتويجاً لعقيدة البقاء. فهو لا ينفصل عن الصواريخ الباليستية، ولا عن نفوذ الحرس الثوري، ولا عن أذرعها في العراق ولبنان واليمن. بل يربط هذه العناصر كلها ضمن مظلة ردع واحدة. وإذا نجحت طهران في الاقتراب من العتبة النووية، فإن سلوكها الإقليمي قد يصبح أكثر جرأة وعدوانية، لا أكثر اعتدالاً، لأنها ستشعر بأن النظام بات محمياً من العقاب الوجودي.
أما المنطقة، فستكون أول من يدفع ثمن هذه المعادلة. فإيران نووية، لن تعني فقط سباق تسلح جديد، بل ستعني أيضاً انتقال الصراعات بالوكالة إلى مستوىً أخطر. عندها ستصبح كل مواجهة مع حليف لإيران محكومة بسؤال أكبر، إلى أي حد يمكن التصعيد من دون الاصطدام بالمظلة الإيرانية؟
جوهر أزمة المحادثات
لذلك، فإن جوهر أزمة المحادثات مع الولايات المتحدة ليس في عدد أجهزة الطرد المركزي أو حجم مخزون الصواريخ فقط، بل في العقل السياسي الذي يحكم طهران. نظام يرى نفسه محاصراً، ويرى خصومه يسعون إلى إسقاطه، لن يتخلى بسهولة عن مشروع يمنحه شعورا بالأمان النهائي. قد يفاوض، وقد يناور، وقد يقدم تنازلات تكتيكية، لكنه لن يتخلى عن الفكرة الأساسية، امتلاك القدرة النووية هو الضمانة الأعلى لبقاء النظام، بالرغم من محاولات نفي طهران ذلك مراراً وتكراراً.
من لا يفهم هذين الهاجسين الايرانيين، بقاء النظام والحصول على سلاح نووي، لن يفهم السلوك الإيراني. إيران لا تريد أن تكون قوية فحسب، بل أنها تريد قوة تمنع سقوط النظام. وهذه هي المعادلة التي تجعل الملف النووي الإيراني أخطر من مجرد أزمة تخصيب يورانيوم.
ماذا عن مسار المحادثات؟
وهنا تحديداً يتعثر مسار المحادثات مع الولايات المتحدة بسبب تعنت إيران. فواشنطن لا ترى في البرنامج النووي الإيراني مجرد ملف تقني قابل للتسوية عبر نسب تخصيب أو آليات رقابة، بل ترى فيه سعيا منظما إلى امتلاك قدرة عسكرية نووية. أما طهران، فتتعامل مع هذا السعي بوصفه ضمانة لبقاء النظام، لا ورقة قابلة للتنازل الكامل. لذلك، تصطدم المفاوضات، وستستمر بالاصطدام دائما، بجدار واحد، أميركا تريد منع إيران من الاقتراب من السلاح النووي، بينما ترى إيران أن هذا الاقتراب هو ما يمنحها الحماية من التهديد الخارجي ومحاولات إسقاط النظام.
اليوم، لا تقف إيران عند عتبة وقف تخصيب اليورانيوم فقط، بل عند عتبة سؤال أخطر، هل تستطيع القنبلة حماية النظام، أم أن القنبلة نفسها ستصبح بداية عزلة أعمق ومواجهة لا نهاية لها، بل وسبب زوال النظام؟




