تُرجح التقديرات الإسرائيلية استمرار المواجهة مع إيران على شكل جولات عسكرية متكررة ما دام النظام الإيراني قائماً، في وقت تترقب فيه تل أبيب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال استئناف الحرب، وسط مؤشرات إلى اتساع التوتر ليشمل جنوب لبنان أيضاً.
ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن الحرب ضد إيران "طويلة"، وإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام جولات قتال متتابعة "كل عام أو بوتيرة أعلى"، بهدف منع تحوّل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية الإيرانية إلى تهديد وجودي. وأضاف أن الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران قد تدفع ترامب في النهاية إلى خوض جولة جديدة ضد إيران، معتبراً أن أي مواجهة مقبلة "لن تكون الأخيرة" طالما بقي النظام الإيراني قائماً.
"العودة إلى القتال عند الحاجة"
ووفق المصدر نفسه، ترى إسرائيل أن توجيه ضربات واسعة للبنية الاقتصادية والعسكرية الإيرانية قد يُنظر إليه غربياً على أنه إنجاز كبير، إلا أن طهران ستعمل، ما دام النظام قائماً، على إعادة بناء قدراتها العسكرية. ولهذا، تعتقد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنها ستكون مطالبة بالحفاظ على جاهزية استخباراتية وعملياتية تتيح العودة إلى القتال عند الحاجة.
وفي ما يتعلق بالقدرات الصاروخية الإيرانية، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران امتلكت قبل الحرب أكثر من ألفي صاروخ باليستي، وأن نحو نصف هذا المخزون ما زال متوافراً لديها، في ظل صعوبات تواجهها في إنتاج كميات كبيرة جديدة من الصواريخ. كما ترى إسرائيل أن أي تسوية محتملة للملف النووي لن تمنع إيران من تسريع سباق التسلح الصاروخي، ما يعني استمرار الحاجة إلى عمليات عسكرية مستقبلية.
وتؤكد تقديرات الأمن الإسرائيلي أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية وبالصناعات الدفاعية ودوائر القيادة، في وقت تواجه فيه طهران صعوبات داخلية تعيق إعادة تنظيم قدراتها وصياغة سياسات جديدة. كما تحدثت التقديرات، بحسب يديعوت أحرونوت" عن "تحركات غير مألوفة" تعكس خشية النظام الإيراني من اضطرابات داخلية.
إيران لن تتخلى عن جهود الترميم
في المقابل، ترى إسرائيل، وفق الصحيفة، أن إيران لن تتخلى عن جهود إعادة الترميم، مشيرة إلى أن طهران استغلت فترة وقف إطلاق النار لإصلاح البنى التحتية المتضررة وتجديد مخزون الأسلحة. ووفق التقرير فإن أي هجوم إسرائيلي جديد سيركز على تعميق الضغوط الاقتصادية وتوسيع بنك الأهداف، بما في ذلك استهداف شخصيات قيادية ومسؤولين إيرانيين.
وفي صحيفة "يسرائيل هيوم"، اعتبر المحلل العسكري يوآف ليمور أن إيران تتعامل مع "عدم الهزيمة" بوصفه انتصاراً سياسياً ومعنوياً يمكن استثماره داخلياً وإقليمياً. وأضاف أن فشل الولايات المتحدة في حسم المواجهة قد يثير شكوكاً حول استعداد أي إدارة أميركية مستقبلية لتكرار التجربة.
وأشار ليمور إلى أن الاعتبارات السياسية الداخلية في إسرائيل تلعب دوراً في النقاش الدائر حول الحرب، لافتاً إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي وأمني يخفف الضغوط المرتبطة بقانون التجنيد والإخفاقات في الجبهة الشمالية مع لبنان.
ورجّح ليمور أن تستمر أي مواجهة جديدة مع إيران من أيام إلى أسابيع، لكنه لفت إلى صعوبة التنبؤ بطريقة انتهائها، في ظل تذبذب مواقف ترامب وتعدد الضغوط الأميركية والدولية المؤثرة على قراراته. وبرأيه، فإن الملف النووي يبقى القضية المركزية بالنسبة لإسرائيل، التي تعتبر أن أي وضع يتيح لإيران البقاء على مقربة من القدرة النووية سيكون أسوأ من مرحلة ما قبل الحرب.
كما أشار إلى أن تقديرات استخباراتية إسرائيلية تتحدث عن احتمال سعي مجتبى خامنئي، نجل المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى تطوير سلاح نووي مستقبلاً، باعتباره أكثر تشدداً من والده، مضيفاً أن هذه التقديرات نُقلت إلى الإدارة الأميركية.
ورأى ليمور أن قرار استئناف الحرب لم يعد مرتبطاً بمبدأ التنفيذ بل بتوقيت اتخاذه، مشيراً إلى أن حسابات الإدارة الأميركية تتأثر بعوامل زمنية وسياسية، من بينها كأس العالم، والعطلة الصيفية، والانتخابات النصفية الأميركية المقبلة.
تردد أميركي
من جهته، كتب المحلل العسكري عاموس هرئيل في صحيفة "هآرتس" أن الوضع الحالي يعكس تردداً أميركياً في العودة إلى حرب شاملة ضد إيران، في وقت تواصل فيه طهران التمسك بمواقفها خلال المفاوضات. واعتبر أن إسرائيل تتصرف وكأن قرار استئناف الحرب قد اتُّخذ بالفعل، رغم عدم حسمه أميركياً حتى الآن.
وأشار هرئيل إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية السابقة لم تحقق هدف دفع إيران إلى التراجع، وهو ما جعل ترامب يتجنب حتى الآن العودة إلى المواجهة العسكرية. وأضاف أن الرئيس الأميركي يواجه أيضاً ضغوطاً داخلية مرتبطة بتراجع شعبيته وارتفاع التضخم، ما يجعله أكثر حذراً من الانخراط في حرب طويلة في الخليج.
وفي السياق نفسه، اعتبر هرئيل أن الحرب الحالية تحولت إلى "رهان أميركي ـ إسرائيلي" استند إلى خطط غير ناضجة وتوقعات لم تتحقق على الأرض.
وضع "قاتم" في جنوب لبنان
أما في جنوب لبنان، فأوضح هرئيل أن الجمود القائم في الخليج ينعكس مباشرة على الوضع الميداني هناك، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي نشر قواته داخل مناطق لبنانية حدودية، مع تنفيذ عمليات تمشيط وتفتيش في قرى ومواقع كان يستخدمها حزب الله.
ونقل عن ضباط إسرائيليين وصفهم للوضع في الجنوب بأنه "قاتم ومقلق"، في ظل تهديد مستمر من الطائرات المسيّرة المتفجرة، وصعوبة فهم الإستراتيجية العامة التي تحكم العمليات العسكرية. كما تحدث عن عمليات هدم واسعة للمنازل داخل القرى الحدودية.
وختم هرئيل بالإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي يعوّل على المفاوضات السياسية الجارية مع لبنان برعاية أميركية، رغم ضعف فرص تحقيق اختراق حقيقي، معتبراً أن المشهد الإسرائيلي يعاني غياباً واضحاً للنقاشات الإستراتيجية، في وقت تتصاعد فيه حالة الغضب بين سكان شمال إسرائيل الذين ما زالوا يعيشون تداعيات المواجهة المفتوحة.




