فيما يحاول رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عبثاً الحفاظ على ائتلافه الحكومي اليميني، تشهد الكثير من التطورات على قرب انهيار هذا الائتلاف عبر مشاريع قوانين حل الكنيست. ولا تظهر استطلاعات الرأي تقريباً أي فرصة لفوز الائتلاف اليميني بالحكم مرة أخرى في ظل تزايد التقارير حتى عن مناقشة المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات اعتقال لوزيرين آخرين عدا نتنياهو ووزير حربه السابق، يوفال غالانت. وتتزايد الانتقادات داخل إسرائيل للحرب وخصوصا على إيران حيث تتعاظم التكلفة المالية والمعنوية للحرب بحيث باتت تستنزف بشدة الاقتصاد الإسرائيلي. ولم يسلم الجيش، وهو عنوان وحدة الإسرائيليين، من الانتقادات لفشله في تحقيق أهداف الحرب ما خلق نوعاً من تبادل الاتهامات بين القادة السياسيين والعسكريين.
انهيار الائتلاف
بعد أن قرر الائتلاف الحكومي المبادرة بعرض مشروع قانون لحل الكنيست لتوفير الفرصة لاختيار موعد مناسب للانتخابات يسمح بتعزيز وحدة الائتلاف بدا التفكك واضحاً ليس فقط بين الليكود والحريديم وإنما أيضاً داخل الليكود وأنصار الصهيونية الدينية. وأظهرت استطلاعات الرأي أن زمن الوحدة الذي ساد في الانتخابات السابقة بين مكونات الائتلاف ووفر أعلى درجة من الاستقرار الائتلافي الفعال قد ولى لتحل مكانه فرقة متعددة الوجوه والأسباب. وكان جلياً أن بين أبرز أسباب ذلك العجز عن تمرير قانون تجنيد يرضي الحريديم ويمنع انشقاقهم عن اليمين القومي. وثمة أحاديث واسعة عن تبلور يمين آخر بقيادة جديدة تجمع بين نفتالي بينت وغادي آيزنكوت وتجتذب المزيد من أنصار الليكود الحاليين.
وإذا كان تجنيد الحريديم في الجيش في الماضي أمراً هامشياً فإن تجنيدهم حاليا بات أمرا ضروريا خصوصا بعد أن أعلنت حكومة اليمين تبنيها نظرية أمن قومي تقوم على فكرة "الحرب الدائمة". وهذا ما أظهر درجة عالية من التناقض حيث توفر هذه الحكومة للحريديم أعلى مستوى من التمويل الحكومي وتعفيهم في الوقت نفسه من الخدمة العسكرية لتعزيز استقرار الائتلاف على حساب الضرورات بما فيها الأمنية. فالجيش يعلن صبح نهار حاجته إلى مزيد من المجندين للخدمة العسكرية والحكومة تشجع الحريديم على التهرب من هذه الخدمة. وهذا عمق الفجوة في تحمل الأعباء حيث من يخدمون في الجيش مضطرون أيضا لتمويل من لا يخدمون فيه.
وكانت كل خلاصات الجيش أن توفير العدد المطلوب للجيش لا يستقيم إلا بتجنيد الحريديم لسد النقص الهائل في القوام. وأشارت المعطيات المنشورة إلى أن هناك 38 ألف متخلف عن التجنيد في إسرائيل معظمهم من الحريديم إضافة إلى 52 ألف مرشح للتجنيد لا يستدعون للالتحاق بالخدمة العسكرية وفق تصنيف "الأمر 12" ومعظمهم أيضاً من الحريديم. وبالرغم من كل محاولات إيجاد حل وسط مع الحريديم أصرت قيادتهم على عدم قبول أية حلول تلزمهم بالخدمة العسكرية وهذا ما فجر الموقف وقاد إلى تفكيك التحالف الائتلافي.
"سيناريو كارثي"
اضطر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير للتعبير عن غضبه من استمرار الجمود وعدم التقدم نحو سن قانون منصف للتجنيد وحمل الحكومة المسئولية عن ذلك بل وأطلق صافرات إنذار تشير إلى احتمال انهيار الجيش. وكتب المراسل العسكري لصحيفة "معاريف"، آفي أشكنازي أن "الوضع خطير" وأن الجيش الإسرائيلي يعاني من خسائر فادحة في قواته النظامية والاحتياطية، في ظل إدارة سياسية فاشلة، وتزايد الضغط على خطوط المواجهة، وعدم المساواة في توزيع الأعباء، والحاجة إلى تحرك أمني يُغيّر الوضع. وصار الجيش يبدي علناً اعتراضه على السياسات المتبعة بطرق مختلفة بينها مطالبته بمزيد من التمويل من جهة وتقليصه للنشاطات من جهة أخرى. ونشرت مواقع إسرائيلية أن تخطيط الجيش الإسرائيلي لعملياته ينتهي في أيلول/ سبتمبر المقبل ولا يستمر حتى نهاية العام. فحتى أيلول/ سبتمبر ينفذ عدد أيام الهدمة الاحتياطية المسموح للجيش باستخدامها بانتظار تفويض إضافي وبالتالي تمويل إضافي.
وأصدرت إدارة الموارد البشرية في الجيش وثيقة وزعتها على المراسلين العسكريين جاء فيها "يعاني الجيش من نقص حوالي 12 ألف جندي في الخدمة الإلزامية، منهم ما بين 6 آلاف إلى 7500 مقاتل. وإذا ما تم تخفيض مدة الخدمة الإلزامية إلى 30 شهرًا كما هو مخطط له، فسيزداد النقص بآلاف المقاتلين الإضافيين، وأفراد الدعم القتالي، والفنيين." ومن المقرر أن يبدأ سريان تخفيض مدة الخدمة العسكرية في كانون ثاني/ يناير 2027 ما قد يخلق مشكلة حقيقية، خصوصاً أن الجيش يطالب بشكل فوري وعاجل بزيادة عديده بما لا يقل عن 12 ألف جندي جديد. ويقدر الجيش، وفق ما عرض في الكنيست، أن النقص في عديد الجنود سيصل في 2027 إلى 17 ألف جندي.
المرتزقة هم الحل
لأول مرة في تاريخ إسرائيل يجري هذه الأيام بحث أمر الاحتذاء بدول غربية أنشأت فرقاً لأجانب تعتمد على مبدأ تجنيد المرتزقة. ويرى شلومو ماعوز في "معاريف" أن الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى زلزال لتغيير صورته من "جيش للشعب" إلى جيش محترف عبر إنشاء فيلق أجنبي لسد النقص الحاد في القوى البشرية. وتنطلق الفكرة من واقع تعمق الشقوق في جيش الشعب الذي كان طوال عقود بوتقة الانصهار والركيزة الأساسية لتوحيد الشتات. لكن حاليا "وتحت وطأة عبء أمني غير مسبوق لم تشهده إسرائيل من قبل، ولم يشهده المجتمع اليهودي قبل قيام الدولة، وفي ظلّ خوض إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 معارك على سبع جبهات في آن واحد، فإن نموذج جيش الشعب ينهار تحديدًا الآن، نتيجةً لعدم كفاءة الحكومة على مرّ السنين".
وكتب "إن التآكل الهائل لقوات الاحتياط، إلى جانب رفض قطاعات واسعة من المجتمع الحريدي تحمل عبء القتال العسكري، قد خلق فراغًا عملياتيًا خطيرًا، يشكل خطرًا حقيقيًا على إسرائيل. لا تنخدعوا بنجاحات القوات الجوية والاستخبارات. في مواجهة هذا الواقع، أطرح اقتراحًا قد تجدونه محرجًا، بل وربما يُعتبر هرطقة في الفكر الصهيوني لأكثر من قرن: إنشاء "الفيلق الأجنبي الإسرائيلي". الفكرة بسيطة، لكنها ثورية: استخدام احتياطيات إسرائيل الهائلة من العملات الأجنبية لتعبئة قوة قتالية محترفة من الأجانب، مرتزقة... تسد العجز".
ومنطلق الفكرة ليس ذاتياً بل يستند إلى ما يردده عسكريون كبار مثل الجنرالين اسحق بريك وإسرائيل زئيف من فشل الجيش في تحقيق أهداف الحرب. وكتب الجنرال بريك أن "الجيش الإسرائيلي ليس بقرة مقدسة. يجب أن نتوقف عن تقديسه. لقد فشلت القيادة السياسية فشلاً ذريعاً، لكن القول بأن الجيش الإسرائيلي يجيد القتال "هو نصف حقيقة أسوأ من الكذب". وأضاف: "تقف دولة إسرائيل عند مفترق طرق حرج.... على من يرغب في قيادة البلاد أن يكف عن ترويج الأوهام وأن يقول للشعب الحقيقة: الجيش بشكله الحالي لا يستطيع مواجهة التهديدات الجديدة". وفي نظره "الفشل القادم مسألة وقت لا أكثر".
ونقلت "معاريف" عن الجنرال زيف قوله: "إن عربة الجيش الإسرائيلي تتدهور، وينفد وقودها في حرب لا تنتهي على جميع الجبهات، ويبدو أنها أقرب إلى الاختناق منها إلى بلوغ وجهات غير واضحة المعالم". وفي نظره "قوات الاحتياط تنهار. الجيش النظامي منهك وفقد انضباطه تمامًا، ويبدو أقرب إلى ميليشيا مسيحانية منه إلى جيش نظامي. الجيش مُرهَق فوق طاقته وضعيف في كل مكان. إن ضم المستوطنات في السامرة التي لا يملك القدرة على الدفاع عنها، وتقسيمه إلى أربع جبهات، يُشلّ الجيش".
ضغط الميزانية
طفا الخلاف بين وزارتي المالية والدفاع في إسرائيل على السطح من جديد بعد شهر ونصف فقط من إقرار الميزانية العامة والتي تم فيها زيادة ميزانية الدفاع للعام 2026 من 112 مليار شيكل إلى 144 مليار شيكل (الدولار 2.9 شيكل). وحاليا يطالب الجيش بما لا يقل عن 40 مليار شيكل آخر لإنجاز مهامه والاستعداد للحرب وهذا ما سيجعل ميزانية الدفاع الأكبر في تاريخ الدولة بحوالي 184 مليار شيكل وبما يمس جوهرياً بقطاعات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
ونقلت صحيفة "كالكاليست" عن مسؤول عسكري رفيع قوله "لم يعد بإمكاننا الاستمرار بنفس مستوى النشاط وبنفس نطاق الميزانية. يجب تعديل إطار الميزانية ليُلبي المطالب الكثيرة من الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الدفاعية، وإلا سنضطر إلى تقليص النشاط بشكل كبير، وخفض عدد قوات الاحتياط المنتشرة على الخطوط الأمامية، وإلغاء الالتزامات والطلبات المقدمة للصناعات الدفاعية والموردين".
وواضح أن فتح الميزانية من جديد يشهد على أن متطلبات الحرب في إسرائيل تفوق كل التقديرات وتبين أن هذه المتطلبات باتت بئراً من دون قاع.



