دلّت نتيجة انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري لحركة "فتح"، التي جرت خلال الأيام الماضية، ضمن المؤتمر الثامن في 4 ساحات (رام الله وغزة ولبنان ومصر)، وما رافقها من إقصاءات وتحالفات، أن قيادة الحركة أرادت من انعقاد المؤتمر والانتخابات، تحقيق هدفين رئيسيين؛ أولاً، تجديد "شرعيتها" نهجاً ووجهاً، وثانياً، نسج ملامح مرحلة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خصوصاً أن انتخابات "فتح" جاءت كخطوة ممهدة لترتيبات مرتقبة على مستوى منظمة "التحرير" في تشرين الأول/ نوفمبر المقبل.
"تحالفات مفاجئة.. بين خصوم"!
وعلمت "المدن" أنَّ انتخابات "فتح" شهدت تحالفات "مفاجئة" بين بعض أقطاب الحركة طالما عُرفت علاقتهم بالخصومة حدّ العداء، فأدى تحالفها تحت وطأة المصلحة وتوازن القوى، إلى نجاحها في الاحتفاظ بعضوية اللجنة المركزية ومواجهة محاولة تجاوز تلك الأقطاب من قبل ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني، والذي نجح هو الآخر في الدخول إلى اللجنة المركزية. وقالت مصادر فتحاوية لـ"المدن"، إن هذه الانتخابات وما صاحبها من تحالفات متوقعة وأخرى مفاجئة، قد أعطت "مؤشراً" على ملامح المرحلة السياسية المقبلة وتوازناتها، مؤكدة أن التنافس بين أقطاب فتح، كان كبيراً، وأن كل جهة دعمت مرشحيها في المركزية والثوري معاً.
وأشارت المصادر نفسها إلى ملاحظة أخرى في نتائج انتخابات "فتح"، ألا وهي معاقبة الفتحاويين من غزة لأعضاء اللجنة المركزية السابقين المقيمين في رام الله، مثل روحي فتوح وإسماعيل جبر وصبري صيدم، ما أدى إلى فشلهم في الانتخابات وخسارة عضويتهم بالمركزية.
عباس ومقربوه.. ليسوا راضين تماماً
وبلغة الأرقام، أدت الانتخابات إلى تغيير باللجنة المركزية بنسبة 50 في المئة، أي بواقع 9 أعضاء جدد و9 قدامى، بينما بلغت نسبة التغيير في المجلس الثوري المكون من 80 عضواً، نحو 76 في المئة.
لكن هذه الانتخابات جاءت بنتائج لم تُرضِ قيادة الحركة والسلطة، وهذا ما يُمكن استنتاجه من ما صرح به قيادي مقرب من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لـِ "المدن"، إذ اعتبر أنه بالرغم من أن نتيجة انتخابات "فتح" كانت "أفضل" من السابق، إلا أنها لم تأتِ بشخصيات "أكثر وزناً وحضوراً"، مستدركاً حديثه بالقول: "في المحصلة، المغرفة أخرجت الموجود في الوعاء".. وهو توصيف اختزل حالة امتعاض داخل تيار الرئيس الفلسطيني من بقاء بعض الشخصيات في اللجنة المركزية للحركة.
المؤتمر.. كمحاولة لإثبات "قدرات القيادة"!
بدوره، قال قيادي في منظمة التحرير لـِ "المدن"، إن عباس ودائرته المقربة، أرادوا من خلال مسار مؤتمر "فتح" الثامن وعقده في ظروف فلسطينية وإقليمية معقدة، بموازاة الحرصه على تضخيم عدد أعضائه في 4 ساحات، أن يبدو كـ"تظاهرة" لإثبات نفسها أمام الداخل والعالم، بأنها "مازالت مؤثرة وقادرة على أن تقود المرحلة الفلسطينية الآن وغداً"، بالرغم من تأكيد هذا القيادي، أن هذه الرسالة متناقضة مع الواقع؛ لأن الفجوة "كبيرة" بين الشعب الفلسطيني وقيادة السلطة. ورأى المصدر أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومقربيه، أرادوا من نجاح مروان البرغوثي في انتخابات اللجنة المركزية، أن يكون جزءاً من "عملية التجميل" لقيادة "فتح" والسلطة؛ لأنه مقبول لدى المعارضين والموالين.
استبعاد مؤثرين من الترشح
في غضون ذلك، رأت قيادات فتحاوية احتجت على المؤتمر ومخرجاته، أن مؤتمر الحركة رُتب له في ساحات "فتح" المختلفة، بطريقة تضمن استبعاد شخصيات مؤثرة من الحركة، ومعروفة بخطها الناقد لسياسات القيادة الحالية. وقال عضو سابق بالمجلس الثوري لـِ "المدن"، إن قيادات بالحركة اتبعت وسائل مختلفة لثنيه عن الترشح للانتخابات، وهو سيناريو أكد حصوله مع آخرين أيضاً. كما أضاف أن منظمي المؤتمر استعانوا بالصف العشرين من الفتحاويين، ليكونوا أعضاء في المؤتمر "الثامن"، بهدف ضمان أن يكون عدد المؤتمرين كبيراً، وبما يمكّن قيادة الحركة، من "هندسة" النتيجة بالقدر الذي ترغب به. وشدد القيادي الفتحاوي الغاضب من نتائج انتخابات الحركة، على أن مؤتمر "فتح"، كان مجرد "حشد" للتأكيد على السياسات الحالية، بدلاً من أن يكون مناسبة لنقاش التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية، والتحضير لصياغة مشروع وطني جامع للكل الفلسطيني.
إجراءات لـ"هندسة" المنظمة والسلطة!
ولأن انتخابات "فتح" تمثل خطوة تمهيدية لترتيبات لاحقة بمنظمة "التحرير"، فإن قيادياً مقرباً من دائرة الرئيس الفلسطيني، كشف لـ"المدن"، أنهم سارعوا إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات اللازمة لترتيبات انتخابات المجلس الوطني المقررة بعد نحو ستة أشهر. واعتبر هذا القيادي أن انتخابات "فتح" أعطت "مؤشراً" لليوم التالي لما بعد محمود عباس وتوازنات القوى الثابتة في المشهد السياسي.
ورفض المصدر الحديث عن الأسماء الفتحاوية المحتمل بروزها في المنظومة السياسية ودائرة القرار بالسلطة، قائلاً إنه من المبكر الحديث عن أسماء بهذا الخصوص، بحجة أنها ما زالت تخضع لتفاعلات في هذه المرحلة، عدا عن عدم اكتمال التحالفات على صعيد فتح ومنظمة التحرير، إيذانا بترتيبات استباقية لانتخابات المنظمة، وبالتالي تثبيت مراكز القوى النهائية على صعيد السلطة والمرحلة المقبلة.
وزعم هذا القيادي أن هناك أطرافاً عربية ودولية "راضية" عن نتيجة انتخابات "فتح" والترتيبات المبذولة على صعيد المنظمة، بوصفها "طريقاً لتجديد الشرعية والإصلاح" وإكمال الترتيبات لمرحلة ما بعد عباس.




