حين كشفت تقارير غربية قبل عام عن وجود خطط أميركية تسمح بتعطيل مصانع أشباه الموصلات في تايوان إذا غزتها الصين، بدا الأمر كأنه إعلان عن شكل جديد من القوة العالمية يتجاوز الحرب التقليدية إلى القدرة على شلّ التكنولوجيا نفسها. وفي تلك اللحظة ظهر أنَّ الولايات المتحدة تملك ما يشبه "زرّ إطفاء" للنظام الرقمي العالمي، وأنَّ القوة الأميركية التقليدية، المعروفة بقدراتها العسكرية، توسعت لتطال البنية التحتية التي يقوم عليها الإنترنت والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي. لكن ما لم تنتبه له واشنطن يومها، أنَّ خصومها كانوا يراقبون الفكرة نفسها ويحاولون تعلمها.
بعد أشهر فقط، بدأت روسيا تتحدث بلغة مشابهة. وأصبحت تهدد بقطع الكابلات البحرية في بحر البلطيق، وتحذر من قدراتها على استهداف الأقمار الصناعية، ما يعكس إمكانية إرباك الاتصالات العالمية والبنية الرقمية الغربية. واليوم تدخل إيران على الخط بالطريقة نفسها تقريباً. طهران التي استخدمت لعقود ورقة النفط ومضيق هرمز، بدأت تتحدث عن كابلات الإنترنت البحرية، وعن فرض رسوم عليها، مع تلميحات بإمكانية التأثير على حركة الاتصالات إذا تصاعدت المواجهة مع الغرب. وأصبح المشهد يبدو كأنه نسخة معكوسة عن الرادع الأميركي نفسه.
أميركا كشفت مكان "العصب"
لسنوات طويلة، تعامل العالم مع الإنترنت كأنه فضاء افتراضي خارج الجغرافيا والسياسة. لكن الحرب في أوكرانيا والتوتر حول تايوان والمواجهة مع إيران، كشفت أن الإنترنت ليس "واي فاي" معلقاً في الهواء، بل هو بنية مادية ضخمة من كابلات بحرية تمتد آلاف الكيلومترات تحت الماء، ومصانع رقائق إلكترونية، وأقمار صناعية، ومراكز بيانات، ومحطات كهرباء. وحين كشف تقرير لموقع "غلوبال فوركاست" العام الفائت عن قدرة واشنطن على تعطيل مصانع تايوان، بدا وكأنه يكشف لخصومها أين يوجد "العصب" الحقيقي للعالم الرقمي، وأن القوة ليست بالضرورة بعدد الأسلحة ونوعيتها، إذ يكفي امتلاك القدرة على تعطيل البنية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي كله. وبينما كان هذا النوع من الردع أميركياً بامتياز من خلال سيطرتها على التكنولوجيا الأكثر تعقيداً في العالم، فإن الكشف عن هذه الآلية فتح الباب أمام خصومها للبحث عن النسخة الخاصة بهم من "زرّ الإطفاء".
روسيا تهدد الكابلات
منذ أشهر، تصاعد الحديث الأوروبي عن خطر روسيا في استهداف الكابلات البحرية في بحر البلطيق، والتي تمر عبرها الاتصالات والبيانات والمعاملات المالية بين أوروبا والعالم. وفي الوقت نفسه، بدأت التقارير الغربية تتحدث عن مشاريع روسية مرتبطة بالفضاء، وعن مخاوف من تطوير قدرات تستهدف الأقمار الصناعية في المدار المنخفض. ووصلت التحذيرات الأميركية إلى حد الحديث عن سيناريو روسي قد يؤدي إلى تعطيل آلاف الأقمار الصناعية التي يعتمد عليها العالم في الاتصالات والإنترنت والملاحة. وسواء كانت هذه السيناريوهات قابلة للتنفيذ الكامل أم لا، فالمهم أن موسكو تبنت الفكرة الأميركية نفسها: الردع عبر تهديد البنية التحتية الرقمية، وأنه إذا كانت أميركا تمسك "العقل الرقمي"، فموسكو تحاول تهديد الأعصاب والشرايين.
إيران وقلب معادلة الردع
الرسالة الأميركية التي نقلها التقرير الغربي كانت واضحة: إذا دخلت الصين تايوان بالقوة، تستطيع أميركا تعطيل البنية التكنولوجية التي تقوم عليها صناعة الرقائق الأكثر تطوراً في العالم. أي أن بكين قد تربح الجزيرة عسكرياً، لكنها لن تحصل على المصانع التي تمنحها التفوق التكنولوجي.
واليوم، بعد زيارة ترامب إلى الصين، يبدو أن المعادلة انقلبت جغرافياً، لكن من داخل نفس المنطق. وبعد أن كانت أميركا قد استخدمت تايوان كجزيرة في قلب آسيا لتوجيه رسالة ردع للصين، فإن إيران اليوم تتحرك من جزيرة قشم في قلب مضيق هرمز لتوجيه رسالة مضادة للولايات المتحدة.
منذ عقود، تدرك طهران أن مضيق هرمز يمنحها قدرة هائلة على الضغط بسبب مرور النفط العالمي عبره. لكن مع تزايد التوترات والحديث المتصاعد عن عملية برية في جزيرة قشم، والتي تُقدَّم في الخطاب الإيراني كحصن متقدم في مواجهة النفوذ الأميركي في الخليج، بدأت إيران تتحدث عن كابلات الإنترنت التي تمر تحت مياه المضيق، وعن فرض رسوم عليها، مع تلميحات بإمكانية التأثير على حركة الاتصالات.
المهم هنا ليس حجم التأثير التقني الفعلي، لأن كابلات هرمز لا تمثل الجزء الأكبر من الإنترنت العالمي، لكن الأهم هو طبيعة التفكير السياسي الجديد، إذ إن إيران تحاول استخدام التكنولوجيا بالطريقة نفسها التي استخدمت بها أميركا التكنولوجيا ضد الصين، أي تحويل البنية الرقمية إلى أداة ردع. بمعنى أن الرسالة التي وجهتها واشنطن إلى بكين عبر تايوان، تعيد طهران توجيهها إلى واشنطن عبر هرمز وقشم.
ما يجري هو تطور مهم جداً. العالم دخل مرحلة جديدة من "الحرب الباردة الرقمية"، منهياً عصر القوة التقليدية المرتبطة فقط بالصواريخ والجيوش، لصالح القدرة على تعطيل البنية الأساسية للعصر الحديث. ومن تايوان إلى البلطيق إلى هرمز، يبدو أن الجميع تعلّم الدرس الأميركي: من يملك القدرة على تهديد البنية التحتية الرقمية، يملك واحدة من أخطر أدوات الردع في العالم.




