كيف اكتسبت إيران نفوذاً في الحرب؟

المدن - عرب وعالمالأربعاء 2026/05/20
Image-1776185904
استراتيجية ايرانية تجبر الولايات المتحدة على البحث عن طرق فتح هرمز (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير، إن إيران ورغم تفوّق خصومها عسكرياً، استخدمت "الإكراه الثلاثي" عبر مهاجمة دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز، ما كشف نقطة ضعف أميركية طويلة الأمد.

ووفق "نيويورك تايمز"، وبعد قرابة ثلاثة أشهر على اندلاع النزاع، نجح النظام الإيراني في إرباك توقعات الولايات المتحدة وإسرائيل بتحقيق نصر سريع، بعد أن نجا النظام من موجة اغتيالات موجهة في بداية الحرب، ثم تمكن من قلب الطاولة على خصومه الأقوى، فارضاً ما يشبه حالة الجمود.

وأبقت إيران سيطرتها على مضيق هرم منذ منتصف آذار/مارس الماضي، وتمكنت من الحد من الهجمات الأميركية والإسرائيلية على قطاع الطاقة لديها. بل إنها دفعت الرئيس دونالد ترامب إلى كبح حرب إسرائيل في لبنان ضد "حزب الله".

 

وقالت نيكول غرايفسكي، التي تدرّس في مركز الدراسات الدولية في معهد العلوم السياسية في فرنسا وتدرس السياسة الخارجية الإيرانية، لـ"نيويورك تايمز": "إيران تملك الأفضلية هنا بالتأكيد. الولايات المتحدة تبدو مرتبكة في الوقت الراهن".

ويبدو ذلك مفاجئاً للوهلة الأولى. فالولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، بينما إيران قوة إقليمية. لكن الحروب لا تُخاض في فراغ.

ولكي تكسب أفضلية على خصم أقوى منها بكثير، استخدمت إيران أسلوباً يطلق عليه باحثو نظرية الألعاب اسم "الإكراه الثلاثي"، بحسب الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس، والمتخصص في استراتيجيات الردع الإيرانية، دانيال سوبلمان. وتقوم هذه الاستراتيجية على مهاجمة طرف ثالث أكثر هشاشة، لكنه يملك نفوذاً على الخصم، بهدف تحقيق مكسب ضد خصم لا يمكن التغلب عليه مباشرة.

وفي هذه الحالة، كان الطرف الثالث يتمثل أساساً في دول الخليج، الضعيفة عسكرياً والمهمة اقتصادياً للولايات المتحدة. وقد نجحت الهجمات الإيرانية عليها في بداية الحرب، إلى جانب قدرة طهران على إغلاق المضيق عملياً، في منع الولايات المتحدة وإسرائيل حتى الآن من تحقيق نصر حاسم.

وهي استراتيجية قد تكون لها تداعيات طويلة الأمد، ليس فقط على نتيجة النزاع الحالي ودور إيران في الشرق الأوسط، بل أيضاً على حدود القوة الأميركية في مناطق أخرى، وفق "نيويورك تايمز".

 

"الإكراه الثلاثي"

وبدأت إيران الضغط على دول الخليج بعد وقت قصير من اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، عبر إطلاق النار على السفن العابرة في مضيق هرمز، ما أدى عملياً إلى إغلاق هذا الممر الضيق الذي يمر عبره 20 في المئة من نفط العالم.

لكن اللحظة الحاسمة التي اكتملت فيها استراتيجية "الإكراه الثلاثي" الإيرانية جاءت بعد نحو أسبوعين ونصف. وفي 18 آذار/مارس، قصفت إسرائيل حقل "بارس الجنوبي" الإيراني للغاز الطبيعي، فردت إيران بقصف رأس لفان، وهي منشأة رئيسية للغاز الطبيعي المسال في قطر، وبشن هجمات بطائرات مسيّرة على مصافٍ في السعودية والكويت.

وقال سوبلمان، وفق "نيويورك تايمز"، إن ذلك الرد "أدخل معادلة جديدة" إذا استهدفت إسرائيل أو الولايات المتحدة منشآت الطاقة الإيرانية، فستستهدف إيران منشآت الطاقة الخليجية.

وخلال ساعات، كتب الرئيس ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الهجوم الإسرائيلي لم يكن منسقاً مع الولايات المتحدة، وأنه لن تكون هناك هجمات إسرائيلية أخرى على "بارس الجنوبي" ما دامت إيران توقف ضرباتها ضد قطر. وقد شكّل ذلك نقطة تحول في الحرب. ورغم استمرار تبادل الهجمات بين الطرفين، بدا أن هناك سقفاً للتصعيد.

وقال سوبلمان: "الولايات المتحدة وإسرائيل محصنتان نسبياً ضد الهجمات العسكرية المباشرة، لكن دول الخليج مثل قطر والإمارات أكثر هشاشة بكثير. وقد نجحت إيران في توظيف جيرانها الضعفاء ضد راعيهم الأقوى".

وتسببت الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى منذ بدء الحرب، ما أوضح أن أي تصعيد إضافي ستكون له كلفة اقتصادية على الولايات المتحدة أيضاً. ولم يكن ذلك كافياً لإنهاء النزاع، لكنه أدخل ما وصفته غرايفسكي بـ"الردع داخل الحرب"، مانحاً إيران نفوذاً مهماً.

وخلال أيام، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة وإيران تتفاوضان. وفي 8 نيسان/أبريل الماضي، اتفق الجانبان على وقف لإطلاق النار، رغم أن المضيق بقي مغلقاً.

 

تداعيات طويلة الأمد

بحسب "نيويورك تايمز"، حوّل استخدام إيران لهذه الاستراتيجية جانباً كبيراً من تركيز الحرب إلى سؤال حاسم: كيف يمكن إعادة فتح المضيق، وكيف يمكن الحد من النفوذ الإيراني عليه مستقبلاً؟ وقد فشلت الجهود الرامية إلى الضغط على إيران لإعادة فتح هذا الممر الحيوي.

وفرضت الولايات المتحدة في نيسان، حصارها الخاص على المضيق، متعهدة بالإبقاء عليه إلى أن تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق سلام دائم. وقد وضع ذلك ضغطاً كبيراً على إيران، التي تحتاج أيضاً إلى عائدات صادرات النفط، وستنفد في نهاية المطاف من مساحات تخزين النفط الذي تنتجه. لكن المضيق بقي مغلقاً.

وأعلن ترامب في 3 أيار/مايو الجاري، "مشروع الحرية"، وهو عملية أميركية لإرشاد السفن العالقة في المضيق. لكنه تراجع بعد يومين، تاركاً أكثر من ألف سفينة عالقة. وقال سوبلمان: "أعتقد أن ذلك يعبّر بوضوح عن قدرة إيران على تقييد الولايات المتحدة وردعها".

ومع استمرار الوضع، بات من المرجح أكثر أن تسعى إيران إلى الحفاظ على سيطرة جزئية على الأقل على الممر المائي، بحسب خبراء.

وقالت الزميلة في الأمن الدولي في "تشاتام هاوس" في لندن نيتيا لابه، لـ"نيوورك تايمز": "كلما طال احتجاز إيران لحركة الشحن رهينة، أصبح أكثر وضوحاً أن إيران ستحتاج إلى أن تكون طرفاً شرعياً وصاحب مصلحة ومستفيداً من إعادة فتح المضيق".

وهذا يعني أن إيران، رغم الأضرار العميقة التي لحقت بها جراء الحرب، قد تخرج منها وهي تمتلك ورقة ثمينة جديدة. فالسيطرة الجزئية على الأقل على المضيق لن تكون فقط مصدراً للإيرادات بالنسبة للنظام، بل أيضاً شكلاً من أشكال القوة الجيوسياسية، وفق الصحيفة الأميركية.

وقالت غرايفسكي إن قدرة إيران على إغلاق المضيق مجدداً ستعمل كـ"بوليصة تأمين" ضد أي هجمات مستقبلية.

ويشير هذا السيناريو، وفق "نيويورك تايمز"، إلى ضعف أوسع وربما أكثر ديمومة في سياسة ترامب الخارجية: فالولايات المتحدة، رغم قوتها، قد لا تكون محصنة ضد الردود الانتقامية كما بدا أن فريق ترامب يفترض في كثير من الأحيان.

ولن تكون كل الدول راغبة أو قادرة على استخدام "الإكراه الثلاثي" ضد قوة عظمى معادية بالطريقة نفسها. لكن بعد المثال الإيراني، قد يحاول مزيد منها فعل ذلك.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث