هل تستطيع الصين فك الإشتباك بين طهران وواشنطن؟

ملحم رياالاثنين 2026/05/18
ترامب والرئيس الصيني (Getty).Jpg
الصين بالنسبة إلى طهران إلى متنفس اقتصادي وسياسي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تنظر طهران إلى زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين كحدث عابر، فبالنسبة للإيرانيين، الزيارة ترتبط بشكل أو بآخر بمستقبل المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وبالدور الذي يمكن أن تلعبه بكين في مرحلة شديدة الحساسية تمتد من الملف النووي إلى أمن مضيق هرمز، وصولاً إلى شكل التوازنات الدولية التي تتبدل تدريجياً مع تصاعد التوتر بين واشنطن وخصومها.

 

400 مليار دولار

العلاقة بين إيران والصين ليست جديدة، بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، كانت بكين من أوائل الدول الكبرى التي اعترفت بالنظام الإيراني الجديد قبل أن تتطور العلاقة تدريجياً خلال العقود التالية، لكن التحول الأبرز جاء مع زيارة الرئيس الإيراني الأسبق الراحل هاشمي رفسنجاني إلى الصين عام 1992، حين وضعت أسس تعاون اقتصادي وعسكري طويل المدى أفضى لاحقاً إلى توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2021 بقيمة قُدرت بنحو 400 مليار دولار.

وخلال السنوات التي اشتدت فيها العقوبات الأميركية على إيران، تحولت الصين بالنسبة إلى طهران إلى متنفس اقتصادي وسياسي حقيقي، خصوصاً مع تصاعد أزمة الملف النووي والعقوبات الغربية التي استهدفت قطاعات الطاقة والمصارف والموانئ الإيرانية.

رغم ذلك، لا تنظر إيران إلى الصين بوصفها حليفاً مطلقاً، داخل طهران ثمة إدراك واضح بأن العلاقة مع بكين تحكمها المصالح قبل أي شيء آخر، وأن الصين، مهما اقتربت من إيران، تبقى دولة تتحرك وفق حساباتها الاقتصادية الكبرى وعلاقاتها المعقدة مع الولايات المتحدة والخليج كما هو حال العلاقة بين روسيا وطهران.

مع ذلك، بدا واضحاً أن القيادة الإيرانية استقبلت بإيجابية أجواء القمة التي جمعت ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين حتى مع الحديث الأميركي عن تفاهمات مرتبطة بحرية الملاحة وضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً.

 

الحزام والطريق

فالرهان الإيراني على الصين لا يقوم فقط على الاقتصاد، بل أيضاً على رؤية سياسية أوسع تتقاطع فيها مصالح طهران وبكين وموسكو في مواجهة الضغوط الأميركية، ومحاولة الحد من هيمنة واشنطن على النظام الدولي وفق ما تردده أوساط سياسية إيرانية.

وفي المقابل تدرك الصين أهمية إيران داخل مشروع "الحزام والطريق" لا سيما أن بكين تبحث منذ سنوات عن تقليل اعتمادها على مضيق "ملقا" الذي تعتبره إحدى نقاط ضعفها الاستراتيجية في أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة، فالصين تدرك أيضاً أن أي انفجار واسع في الشرق الأوسط، وخصوصاً في مضيق هرمز، سيصيب اقتصادها مباشرة، فبكين تعتمد على المنطقة لتأمين نسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية، تصل إلى 45 في المئة تقريباً، وأي حرب طويلة أو إغلاق فعلي للمضيق سيضع الاقتصاد الصيني أمام أزمة حقيقية.

وفي هذا السياق، حمل السماح الإيراني أخيراً بعبور عشرات ناقلات النفط الصينية عبر مضيق هرمز رسائل سياسية واضحة لبكين بأن مصالحها لن تكون مستهدفة مباشرة حتى في ذروة التصعيد.

 

أزمة ثقة

بيد أن داخل إيران نفسها ثمة من يخشى أن تتحول الصين -إذا طال أمد المواجهة -من شريك سياسي إلى طرف يضغط على طهران لحماية مصالحه النفطية والاقتصادية، خصوصاً إذا بدأت الحرب تهدد بصورة جدية الإقتصاد الصيني.

لكن في الضفة المقابلة من المشهد، تبدو أزمة الثقة بين طهران وواشنطن أعمق بكثير من أن تتمكن الصين من حلها بسهولة، حيث أن العلاقة بين الطرفين لم تعد مجرد خلاف سياسي بل تحولت مع الوقت إلى حالة متراكمة من الشك والعداء والحسابات الأمنية المعقدة.

وتكشف الشروط التي وضعتها إيران للعودة إلى أي مفاوضات جديدة حجم الهوة القائمة بين الجانبين وتشمل إنهاء الحرب، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وتعويض الخسائر الناجمة عن الحرب، إضافة إلى الاعتراف بإشراف إيران على مضيق هرمز.

وهي شروط رفضتها إدارة ترامب بالكامل، ما يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بأي محاولة صينية لرأب الصدع بين الطرفين.

وتقول مصادر مطلعة في طهران لـ"المدن" إن تشدد الموقف الإيراني الحالي يعود إلى ما تعتبره القيادة الإيرانية "خداعاً" مارسته الإدارة الأميركية خلال جولات التفاوض السابقة، سواء قبل حرب الإثني عشر يوماً أو قبل الحرب الأخيرة، وهو ما دفع طهران هذه المرة إلى التمسك بشروط مسبقة قبل العودة إلى طاولة التفاوض.

وفي الوقت نفس تدرك القيادة الإيرانية أن الأزمة الاقتصادية الداخلية بلغت مستويات شديدة الحساسية خصوصاً مع تشديد الضغوط الأميركية على الموانئ وقطاع الطاقة.

وفي هذا السياق، بدا لافتاً حديث وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي من نيودلهي، على هامش اجتماع وزراء خارجية "البريكس" عن سعي إيران إلى "اتفاق رابح – رابح" في إشارة فُهمت على أنها محاولة لترك نافذة سياسية مفتوحة رغم التصعيد القائم.

وتشير مصادر إيرانية مطلعة لـ"المدن" إلى أن طهران لا تمانع أي وساطة سياسية يمكن أن تخفف حدة الأزمة شرط عدم المساس بما تعتبره خطوطاً حمراء مرتبطة بمصالحها الوطنية والقومية.

 

أزمة تتجاوز النووي

وفي هذا الإطار يجري الحديث داخل بعض الأوساط الإعلامية الإيرانية عن احتمال أن تلعب الصين دوراً في معالجة إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية في الملف النووي، والمتعلقة بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب، عبر استضافته داخل الأراضي الصينية لفترة زمنية محددة إذا تم التوصل إلى صيغة وسطية تحفظ لإيران حقها في التخصيب على أراضيها.

لكن حتى لو نجحت بكين في تحقيق اختراق جزئي في هذا الملف، فإن ذلك لن يكون كافياً لإنهاء أزمة تتجاوز البرنامج النووي نفسه لتشمل الصواريخ الباليستية، والدور الإيراني في الإقليم، وأمن الخليج، ومستقبل مضيق هرمز.

ولهذا يبقى الرهان على قدرة الصين على إنتاج تسوية شاملة محدوداً سواء داخل إيران أو خارجها على الأقل في المرحلة الحالية حيث تبدو المنطقة بأكملها عالقة بين تهدئة مؤقتة واحتمال مواجهة أكبر لم تتضح حدودها بعد.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث