فجر 28 شباط/فبراير الماضي، يخرج نبأ اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، من المحطات الإيرانية ويدخل إلى الذاكرة العالمية. لحظاتٍ ظنّ الكثيرون بعدها أن إيران ستُعلَن منتهية في الأيام التالية. منّى العديد أنفسهم بتصوّرٍ مثيل. تخرج رصاصة من فوّهة، وينهار معها أربعون عاماً من ولاية الفقيه.
مرّ على ذلك الصباح 80 يوماً، لم ينتهِ معها النظام في إيران. لكنّ الصيغة التي وُلدت في قُمّ سنة 1979 وتنفّست في طهران حتى مطلع ربيع 2026، ستبدو وكأنها تخلّت عن شيء من روحها بعض الشيء، تاركةً وراءها هيكلاً سياسياً يحمل اسمها، لكنه يعمل بمنطق جديد تقريباً. سيعتلي مجتبى خامنئي منصب أبيه في 9 آذار/مارس الماضي، ويتلقّى البيعة من مجلس خبراء القيادة في جلسة وُصفت في الإعلام الرسمي بأنها "نزَلت كالماء على ظمأ الأمّة". لم تُقام الجلسة في ساحة عامة. لم تُذع كاملةً. ما حدث كان كافياً للقول إنّ شيئاً قد جرى، لكن غير كافٍ بالمطلق للقول إنّ شيئاً قد بدأ.
تسلّم الخامنئي الأب منصبه بمنطقٍ تنظيميّ، وبشبكةِ علاقاتٍ نُسجت داخل النضال ضدّ الشاه، وإرث مؤسسة اسمها ولاية الفقيه، حوّلها على مرّ ثلاثة عقود إلى مركز جاذبية يستقطب الحرس الثوري والاقتصاد الموازي والقضاء والإعلام والحلفاء الإقليميين. أمّا الابن، فدخل منصبه مصاباً ومتخفيا في لحظة فراغٍ كان لا بدّ من ملئها، وورث لقب ولي الفقيه، في وقت تخضع فيه مؤسسة ولاية الفقيه لتعديلاتٍ لا يستهان بها. صار الحرس الذي كان قطاعاً موازياً للجيش، القطاع المهيمن، ومجلس صيانة الدستور يكاد يصير أكثر فاعليّة من مكتب المرشد.
كتب كريم سجادبور في مقابلة مع إذاعة "NPR" مطلع آذار، إنّ مجتبى "قد يكون مرشداً بالاسم، لكنه لن يكون مرشداً بمعنى الكلمة كما كان أبوه". وقال علي واعظ في إفادته لمجموعة الأزمات الدولية: "المعركة الحقيقية على من سيحكم إيران لن تُحسم في مكتب المرشد، بل في القاعات المغلقة للحرس الثوري". من المحتمل أن تحيل بعض المعطيات إلى ذلك، إذا ما أخذ بعين الاعتبار الجهة المسيطرة اليوم على البرنامج الصاروخي، وعلى شبكة النفط البديل، وعن إصدار قرار آلية رسوم مرور هرمز.
عملياً، يبدو وكأن الحرس الثوري يصدر القرارات، والمرشد يُوقّع. وعملياً أيضاً، تبدو إيران في مشهدها الراهن وكأنها تنتقل شيئاً فشيئاً من جمهورية إسلامية بقيادة فقيه إلى جمهورية أمنية بواجهة فقيه. وإذا ما تأكد ذلك الواقع، فإن الفارق بين الصيغتين شاسع، ففي الأولى، الفقيه هو القرار والمؤسّسات الأمنية ليست سوى أدوات تنفيذيّة. أما في الثانية، فالأمن هو القرار والفقيه أداةُ تشريع. كانت تُسمَّى الأولى إيران الخمينية. أما الثانية فلم تُسمَّ بعد، لكنها قد تكون قريبة من نموذج تركيا الكمالية في خمسينياتها، حيث الجيش يحكم من خلف ستار مدنيّ ديني، فيما الواجهة تتغيّر ولا تحكم.
في 8 أيار/مايو الجاري، كتب فريد زكريا في صحيفة "واشنطن بوست"، أن "أميركا منذ 1979 تعيش على عقلَين: عقلٌ يريد حلّ ملفّات مع إيران، وعقلٌ يريد إسقاط إيران. والاثنان يقتلان بعضهما البعض". هل يمكن إسقاط هذا التوصيف على إيران؟ عاشت الأخيرة طوال 47 سنة على عقلين هي الأخرى: عقلٌ ولائيّ ديني يَستمدّ شرعيّته من النصّ والفقيه، وعقلٌ أمنيّ قوميّ يَستمدّ شرعيّته من البقاء والقوّة. كان خامنئي الأب يَجمع العقلين في جسدٍ واحد، يَنتقل من الخطبة إلى مكتب القيادة، ومن الفتوى إلى إعطاء الأوامر. باغتياله، يرى بعض المتابعين أن العقلين انفصلا، وأنه لم يَعد بينهما جسدٌ جامع. وقد توحي المؤشرات راهناً بأن العقل الأمنيّ القوميّ سيحكم في المدى المنظور، لأنّه الذي يملك السلاح والمال والمعلومات وشبكة الحلفاء. أمّا العقل الولائي، فيستمرّ على شاشات التلفزيون وفي خُطَب الجمعة بالتأكيد، لكنه يبدو وكأنه ينفصل تدريجياً عن مركز القرار. هي صيغة يتصورها البعض انطلاقاً من بُنية تاريخيّة متكررة: حين يضعف الرمز يقوى السيف، وحين يقوى السيف يتحوّل الرمز شيئاً فشيئاً إلى إطار صُوري. على أن إيران لم ولن تخرج من التاريخ رغم كلّ ما قاله مادحوها وشاتموها على السواء.
فالي نصر من جامعة "جونز هوبكنز"، حذّر في مقابلته الأخيرة مع "بلومبرغ"، من أن ضعف إيران لن يفتح فراغاً مَلائكياً تنزل عليه الديمقراطية، بل سيَفتح فراغاً قد تملؤه تركيا المُنفلتة، أو بَلقَنة فارسيّة بين الأذريّين والأكراد والبلوش والعرب الأهوازيّين. ودعا إلى ما أسماه "منتدى أمن إقليمي" يجمع كلّ اللاعبين بمن فيهم إيران. يلتقي والتر راسل ميد وإن من زاوية ليبراليّة محافظة، مع نصر. يقول أن الفراغ الإيراني خطر أكبر من إيران القويّة في عيون كثيرين، دون أن يخفي ميله إلى تسوية تترك إيران الضعيفة لكن القائمة، كما هو عليه الحال اليوم. حتى المعارضون للنظام لا يريدون أن تنفلت الأمور. لكن إذا كان خامنئي الابن قد تحول بالفعل إلى إطار صوري في دولة إيران الأمنية الجديدة كما يُساق في التحليلات الفاحصة، فما الذي يَمنع الحرس يوماً ما من أن يُعلن جمهوريّة بلا فقيه؟ الجواب القصير: إنها الشرعيّة الشيعيّة. لا يستطيع الحرس وإن ملك كلّ شيء أن يحكم باسم نفسه. سيحتاج إلى عمامة فوقه. مجتبى خامنئي هو العمامة المطلوبة اليوم، وحين لا يكون مجتبى يجب أن يكون أحدٌ آخر. هذا منطق النظام منذ تأسيسه. أمّا أن ينتقل إلى نظام بلا عمامة، فهذه ثورة أخرى لم يأتِ زمنها بعد. ولذلك لن يسقط مجتبى خامنئي في الأشهر المقبلة، وقد لا يُغتال ولا يُستبدل. لكنه أيضاً قد لا يحكم كما كانت عليه الحال مع والده.
في حواره مع "أنتي وار" قبل أيام، قال العالم السياسي جون ميرشماير إن إيران خرجت من الجولة الأولى رابحةً استراتيجياً، لم تُهزم ولم تَنهر ولم يتغيّر نظامها كما خُطِّط في إسرائيل وواشنطن. لكن يجب أن يُضاف أن إيران التي خرجت من الجولة الأولى ليست هي إيران التي دخلتها.
واقعاً، ما يحدث في إيران اليوم لا يُشبه ما حدث في الاتحاد السوفياتيّ في 1991 حيث انْهار الجسد، ولا يُشبه ما حدث في الصين في 1976 بعد ماو تسي تونغ، حيث انتقلت السلطة عبر حزب متماسك إلى وريث براغماتي. فهل سيُشبه أكثر ما حدث في مصر مثلاً بعد عام 1956: نظامٌ بَقي اسماً، وانتقلت روحُه إلى مؤسّسةٍ أمنيّة-عسكريّة وجدت في الناصريّة شرعيّتها الموقّتة، وفي أنور السادات تكييفها الإقليميّ، وفي حسني مبارك تدبيرها الإداريّ؟ سيناريو كهذا يحتاج سنوات من المراقبة. وإن حدث عندها، سيُؤرّخ المؤرّخون أن النهاية الفعلية لجمهوريّة الفقيه لم تكن يوم استُهدف الخامنئي الأب، كما لم تكن يوم وقّع مجتبى أوّل بيان، بل كانت في تلك الأيام التي أصدر فيها الحرس الثوريّ قرارات اقتصاديّة وعسكريّة باسم الجمهوريّة، فيما المرشد يصدر البيانات في فضاء أوسع وأقلّ تأثيراً من فضاء أبيه. تلك هي اللحظات التي تنتقل فيها السلطة بصمت بلا انقلاب، وحين تنتقل بهذا الشكل، سيتبين لاحقاً أن ما كان يبدو إستمراراً كان قطيعة وتحوّلاً.
لكن ومع كل ذلك، من المبكر الحكم على مسار الأمور، ذلك أن الجمهورية الإسلامية بُنيت تاريخياً على قدرتها الاستثنائية على تحويل التهديد الخارجي إلى مادة لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية. وإذا ما دخلت المنطقة في مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو إذا نجحت طهران في تثبيت معادلات ردع جديدة، فقد يجد النظام في لحظة الخطر تلك فرصة لإعادة توحيد العقل الأمني والعقل الولائي داخل بنية واحدة من جديد. عندها، قد لا يكون ما نشهده سوى طوراً انتقالياً قاسياً لولاية الفقيه يسبق إعادة تشكيلها بصورة مستحدثة.
سبعون يوماً مرّوا على حكم الخامنئي الشاب. ما زال أمامنا من الوقت ما يكفي للنظر بعينَين مفتوحتين!




