في السنوات الأخيرة، لم يعد اقتراب صانعي السيارات المدنية من الصناعة العسكرية في أوروبا ظاهرة هامشية أو طارئة، بل تحول إلى مسار صناعي متسارع. فحرب أوكرانيا، وتصاعد الإنفاق الدفاعي في أوروبا، واضطراب سلاسل الإمداد، دفعت الحكومات الغربية إلى البحث عن طاقة إنتاجية جاهزة يمكن تعبئتها بسرعة. وفي هذا السياق، تبدو مصانع السيارات خياراً منطقياً، فهي تمتلك خطوط تجميع واسعة، عمالة مدربة، خبرة هندسية وشبكات توريد قادرة على إنتاج مكونات معقدة بكميات كبيرة.
لكن هذا التحول لا يحدث فقط لأن الحكومات تريد المزيد من السلاح، بل أيضاً لأن قطاع السيارات نفسه يمرّ بأزمة عميقة. فالمنافسة الصينية في سوق السيارات الكهربائية والبطاريات، وتراجع هوامش الربح لدى الشركات الأوروبية، وتباطؤ بعض خطوط الإنتاج، جعلت مصانع كانت مخصصة للسوق المدنية تبدو اليوم كطاقة صناعية قابلة لإعادة التوظيف. ومع ذلك، فالصين ليست السبب الوحيد، إنها جزء من مشهد أكبر تتداخل فيه الحرب، التحول الطاقي، سباق التسلح ومحاولة الغرب وخاصة دول الناتو إعادة بناء قاعدته الصناعية.
أزمة السيارات تلتقي مع سباق التسلح
أوروبا التي اعتادت الاعتماد على صناعات مدنية قوية، وجدت نفسها بعد حرب أوكرانيا أمام سؤال مختلف، كيف يمكن زيادة إنتاج الذخائر، المركبات، المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي بسرعة؟ فالقطاع الدفاعي الأوروبي التقليدي لا يستطيع وحده تلبية الطلب المتزايد، خصوصاً بعد سنوات من خفض الإنفاق العسكري وتراجع المخزونات.
هنا برزت مصانع السيارات بوصفها احتياطاً صناعياً. فالخبرة المطلوبة في تصنيع هياكل المركبات، الأنظمة الكهربائية، البطاريات، المعادن المشكلة والبرمجيات، لم تعد بعيدة عن احتياجات السلاح الحديث. فالحروب الجديدة لا تعتمد فقط على الدبابات والصواريخ، بل على المسيّرات، المركبات الخفيفة، أنظمة القيادة والحلول المزدوجة الاستخدام التي تقف على الحدود بين المدني والعسكري.
عندما يتغير مصير المصنع
أوضح الأمثلة يأتي من ألمانيا. فمصنع "فولكسفاغن" في أوسنابروك، الذي يعمل فيه آلاف العمال ويواجه مستقبلاً غامضاً مع انتهاء بعض خطوط إنتاج السيارات، أصبح موضع اهتمام شركات دفاعية. فقد ظهرت تقارير عن محادثات بين "فولكسفاغن" وشركة "رافاييل" الإسرائيلية للصناعات الدفاعية، المعروفة بإنتاج منظومات متقدمة بينها القبة الحديدية، حول إمكان استخدام المصنع في إنتاج مكونات مرتبطة بأنظمة دفاع جوي أو أجزاء صاروخية ومحركات. كما أبدت "رينه ميتال"، وهي من أبرز شركات الدفاع الألمانية، اهتماماً بمواقع صناعية مدنية يمكن تحويلها لإنتاج عتاد دفاعي ودبابات بشكل خاص إذا توافرت الطلبات الحكومية.
في فرنسا أيضاً، برز اسم رينو في نقاشات حول توظيف خبراتها في تصنيع طائرات مسيّرة أو أجزاء منها. والأهمية هنا لا تكمن فقط في نوع المنتج، بل في الدلالة، شركات السيارات لم تعد تنظر إلى الدفاع باعتباره مجالاً غريباً، بل كمساحة يمكن أن تستوعب فائض القدرات الصناعية والهندسية لديها.
أما في الولايات المتحدة، فتقدم "جنرال موتورز" نموذجا أكثر تنظيماً عبر ذراعها الدفاعية المتخصصة التي تعمل على تطوير مركبات عسكرية خفيفة ومشروعات طاقة ودعم لوجستي للجيش الأميركي. وهذا يوضح أن الانتقال من المدني إلى العسكري لا يعني بالضرورة إنتاج السلاح مباشرة، بل قد يبدأ من المركبات والطاقة والاتصالات والأنظمة الداعمة.
فرصة إنقاذ أم عسكرة للاقتصاد؟
اقتصادياً، تبدو الفوائد واضحة، إنقاذ مصانع مهددة، حماية وظائف، إعادة تشغيل خطوط إنتاج، وتقوية قدرة الدول على تلبية احتياجاتها الدفاعية محلياً. كما أن استخدام مصانع قائمة قد يكون أسرع وأقل كلفة من بناء منشآت دفاعية جديدة من الصفر.
لكن التحديات لا تقل أهمية. فالصناعة الدفاعية تحتاج تراخيص أمنية من عدة دول في الكثير من الأحيان ومعايير سلامة صارمة وسلاسل توريد مختلفة عن السيارات المدنية. وهناك أيضا سؤال أخلاقي وسياسي، هل يصبح إنقاذ المصانع المدنية مشروطاً بالدخول إلى اقتصاد الحرب؟ وهل تتحول الأزمة الصناعية المدنية إلى ذريعة دائمة لتوسيع إنتاج السلاح؟
قد لا يكون المطلوب تحويل مصانع السيارات إلى ثكنات إنتاج، ولا جعل السلاح بديلاً من الابتكار المدني، بل استخدام هذه اللحظة لإعادة بناء قاعدة صناعية أكثر توازناً وقادرة على حماية الأمن عند الضرورة، من دون أن تفقد وظيفتها الأصلية في خدمة الاقتصاد والمجتمع.




